هل جميع المحكوم عليهم ينفذون عقوباتهم؟

لا شك أن الغاية من تشريع قانون العقوبات هي حلول السلم والأمن داخل المجتمع، ومنع اعتداء الأفراد على حقوق بعضهم البعض وإتيان الأفعال التي تعتبرها الجماعة جرائم، ومن أجل ذلك شرع القانون الأفعال المعتبرة في نظره جرائم وحدد لها عقوبة أو عقوبات تلائم خطورتها ومدى جسامتها. والمفترض أن أي فرد في المجتمع ارتكب جريمة يستحق عقابا يصبح واجب التنفيذ بمجرد صدور حكم نهائي في حقه، لكن المشرع مثلما يعي خطورة الجريمة وضرورة ردع مرتكبيها، يؤمن أن الأفراد يختلفون عن بعضهم البعض حتى لو ثبت ارتكابهم نفس الجريمة بنفس الطريقة ونفس الآثار المترتبة، لأن ظروف كل شخص تختلف عن الآخر، والأسباب التي أدت به إلى إتيان فعل مجرم بحكم القانون تختلف عن تلك التي جرَّت الفرد الآخر إلى فعل الجريمة. ومن هذا المنطلق يستحيل إصدار قانون للعقوبات يشمل جميع حالات الأشخاص المرتكبين للجرائم والتفريق بينهم في العقاب المقرر، لذلك نجد أن قانون العقوبات نص على الجرائم وأنواعها والعقوبات المقررة لها، وترك للقضاة الذين تُعرض عليهم حالات المتهمين بارتكاب الجرائم من أجل تقدير العقوبة التي تستحقها كل حالة حسب ظروفها والدوافع التي جعلتها ترتكب الفعل المجرم، لدرجة السماح للقضاة بالحكم على الفاعل باستحقاق عقوبة والتنصيص على وقف تنفيذها. لكن المُشرع اعتبر رخصة السماح للقضاة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها استثناء يتم اللجوء إليه في حدود ضيقة وبشروط معينة حددتها المواد من 79 إلى 83 من قانون العقوبات، فالقاضي لا يحق له في جميع الجرائم الحكم بجعل العقوبة موقوفة التنفيذ، بل فقط عند الحكم في جريمة معروضة على أنظاره باستحقاق المتهم فيها للحبس مدة لا تتجاوز سنة أو بالغرامة، أما في حال قضت المحكمة على المتهم بعقوبة حبسية تفوق مدة سنة فإنه لا يجوز لها جعل العقوبة موقوفة التنفيذ إعمالا لنص المادة 79 من القانون سابق الذكر. وهنا يجب ألا يحصل لبس في فهم المعيار الذي تحدد فيه الجريمة الممكن الحكم بشأنها أن تكون العقوبة موقوفة التنفيذ، لأن معيار الحبس الذي لا يتجاوز سنة غير مقصود به أن وقف التنفيذ يشمل فقط الجنح والمخالفات، بحكم أن الجنايات يكون الحبس المقرر لها متجاوزا مدة 3 سنوات، بمعنى أن وقف التنفيذ قد يشمل الجنايات كذلك، لأن القاضي في الجنايات كذلك قد يحكم في جناية معروضة على أنظاره بحبس المتهم مدة تقل عن سنة نظرا لتوافر الشروط والظروف التي تسمح بذلك، وفي هذه الحالة يحق له أن يقضي بجعل العقوبة موقوفة التنفيذ، ومن هنا يتبين أن إمكانية وقف تنفيذ العقوبة ليست محصورة في المخالفات والجنح فقط بل تشمل الجنايات أيضا في حالات استثنائية. ويكون إعمال مبدأ وقف تنفيذ العقوبة مؤسسا على معايير تتعلق بشخص المحكوم عليه مثل عامل سنه، أو أخلاقه أو الظروف التي جعلته يرتكب الجريمة، فإذا ارتأت المحكمة أن تصبح العقوبة المحكوم بها موقوفة التنفيذ شمل هذا الوقف حسب منطوق المحكمة جميع العقوبات الأصلية والفرعية كذلك ما عدا عقوبة مصادرة الأشياء المتحصل عليها بمناسبة ارتكاب الجريمة. ويتم نفاذ وقف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات كاملة ابتداء من اليوم الذي يصبح فيه الحكم المقضي به نهائيا، وإذا انقضت مدة ثلاث سنوات دون إصدار قرار بإلغاء الوقف وصيرورة العقوبة نافذة، أصبح الحكم بالعقاب كأن لم يكن. والأصل أن الحكم بوقف العقوبة يكون نافذا خلال مدة ثلاث سنوات المذكورة سابقا لينتهي المطاف باعتبار العقوبة بعد ذلك كأنها لم تكن، لكن يحدث أن يتم الرجوع عن قرار وقف التنفيذ خلال مدة ثلاث سنوات المذكورة عند تحقق حالتين منصوص عليهما ضمن المادة 81 من قانون العقوبات وهما: 1/ في حال صدور حكم جديد بعقوبة الحبس لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر في جريمة عمدية على من تم الأمر بوقف عقوبته، والمحكمة التي أمرت بوقف العقوبة لم تكن تعلم بهذه الجريمة عند الأمر بوقف التنفيذ. 2/ وفي حال صدور حكم بعقوبة الحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر في جريمة عمدية مرتكبة قبل الأمر بوقف التنفيذ، والمحكمة لم تكن تعلم بها.