دور قاضي التنفيذ ضمن منظومة العدالة

لا شك أن الغاية المشتركة لجميع من يلج إلى المحاكم -بالإضافة إلى استصدار حكم قضائي لصالحه- هي تنفيذ منطوق الأحكام القضائية، وتحويل مضمونها من مجرد وثيقة مكتوبة إلى أمر واقع ناجز، لأن الأوامر أو الأحكام القضائية وإن كانت حائزة لقوة الأمر المقضي به فإن مفاعيلها الواقعية لا تتحقق إلا إذا صدر بشأنها أمر بالتنفيذ أو كانت معتبرة في حكم السند التنفيذي. وتنفيذ الأحكام المتعلقة بالمواد المدنية يتم وفقا لمقتضيات الكتاب الثالث من قانون المرافعات المدنية والتجارية ضمن المواد من 362 إلى 518، أي أن المشرع خصص أكثر من 150 مادة ضمن كتاب كامل لتنظيم إجراءات التنفيذ، وذلك ما يدل على الأهمية البالغة التي أولاها لضمان تنفيذ الأحكام والسندات ذات قوة تنفيذية. ويسهر على تنفيذ الأحكام القضائية بواسطة إدارة بمقر المحكمة تسمى "إدارة التنفيذ" ويرأسها "قاضي التنفيذ" وهو أحد القضاة بدرجة لا تقل عن قاضٍ بمحكمة الاستئناف، يساعده عدد كافٍ من القضاة والموظفين ذوي صفة ضبطية، ويندب بإدارة التنفيذ عدد كاف من ضباط وأفراد الشرطة. يختص قاضي التنفيذ بإصدار القرارات والأوامر المتعلقة بتنفيذ الأحكام، وذلك عقب تقديم طلب للتنفيذ يشمل جميع الأوراق والمستندات المؤيدة له، وبهذا الصدد يختص قاضي التنفيذ وحده دون غيره بالبت في جميع المنازعات الموضوعية أو الوقتية المتعلقة بالتنفيذ، وفي هذا الإطار تكون للأوامر الصادرة عن قاضي التنفيذ بشأن المنازعات الوقتية نفس القوة القانونية للأوامر المستعجلة. وبمجرد اتخاذ أي إجراء يتعلق بالتنفيذ مثل استقطاع قيمة الدين في مواجهة المنفذ ضده، أو أي إجراء آخر مرتبط بالتنفيذ مثل الأمر بمنع المدين من السفر أو التصريح بدعوى الحبس يجب عرض الملف من جديد على قاضي التنفيذ ليثبت فيه ما يصدره من أحكام أو قرارات. ولا يدخل في باب اختصاصات قاضي التنفيذ تعديل الحكم المراد تنفيذه مثل الزيادة والنقصان من قيمة المبلغ المستحق سداده، كما لا يجوز لقاضي التنفيذ أن يفسر الحكم موضوع التنفيذ أو يزيل عنه الغموض الذي أحاط به، لأن في ذلك صلاحيات تتعدى تنفيذ منطوق الحكم إلى ترتيب أثر قانوني جديد من شأنه التغيير في المراكز القانونية للأفراد، وهذا الأمر من صلاحيات قضاء الموضوع، وليس قاضي التنفيذ الذي ينحصر دوره في السهر على تفعيل منطوق الحكم المراد تنفيذ مضمونه. ومن أجل ضمان تنفيذ الأحكام، خول القانون لقاضي التنفيذ صلاحيات واسعة يمكنه اتخاذها في مواجهة المنفذ ضده في سبيل إلزامه بتنفيذ الدين المترتب على ذمته، مثل إصدار أمر بمنع المدين من السفر، أو الحجز على أمواله المنقولة، أو الحجز على العقارات المملوكة له، أو التصريح بدعوى الحبس في مواجهته. ويجوز الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة عن قاضي التنفيذ وفق الإجراءات العادية للاستئناف خلال ميعاد سبعة أيام من صدور الحكم أمام محكمة الاستئناف المختصة.