البطالة وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية

تعد مشكلة الباحثين عن عمل أو «البطالة» واحدة من أخطر المشكلات التي تعاني منها اليوم دول الخليج وإن بشكل متفاوت بين بلد وآخر، اعتمادا على الكثافة السكانية، وقوة الاقتصاد وحجم وقدرة أنشطته على توفير الوظائف والاستيعاب وتغلغل وهيمنة الأجنبي على السوق، وإن كان العامل الأخير سمة عامة تسود البلدان الخليجية دون استثناء، ومرد خطورة ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل انعكاساتها العميقة وتأثيراتها السالبة على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني المعروفة والتي ينذر تفاقمها وتشابكاتها إلى بروز مشكلات وخلخلة في البنى والهياكل المشار إليها، وإلى اتساع نطاق وانتشار الفوضى والانفلات وتقويض حالة الاستقرار، في سوق يغص بعشرات الملايين من الأجانب وقادر على جذب الاستثمارات ويحتشد بالفرص والخيارات الاستثمارية والقدرة على تحفيز ودعم وتشجيع القطاعات الأخرى غير النفطية وتطويرها وتنميتها وتمكينها من الإسهام في الناتج المحلي، وتعزيز الموارد وتوفير المزيد من فرص العمل للمواطنين الخليجيين، لو وجد التوظيف الجيد والتخطيط المدروس والتعاون المثمر والشراكة الحقيقية بين الحكومات الخليجية في شموليتها. وللتغلب على هذه المشكلة فإنه يجب الأخذ في الاعتبار المحددات والمعالجات التالية: أولا: إن مشكلة الباحثين عن عمل لا يمكن امتصاصها بسياسات وقرارات فوقية تفرض التعمين أو التوظيف الإجباري على مؤسسات وشركات القطاع الخاص، ففي ذلك انعكاسات خطيرة على هذا القطاع وعلى الباحث، تتجاهل ضعف الأول وانكماشه وتراجع القوة الشرائية وصغر ومحدودية أسواق عدد من دول المنطقة، وتحد من حرية المنافسة على اختيار العاملين فيه وفقا لمعايير الكفاءة والمهارة وساعات العمل وقيمة الرواتب والقدرة على العمل في الظروف الضاغطة والصعبة.. وتتجاهل كذلك فوضى السوق وغياب أدوات ووسائل التنظيم والمجالات والوظائف التي يرغب الخليجيون العمل فيها. ثانيا: لا يمكن معالجة مشكلة البطالة وامتصاص أعدادها وتوفير فرص وظيفية إلا في ظل اقتصاد قوي والاستثمار الجاد في القطاعات والأنشطة والمجالات المبتكرة وغير التقليدية. ثالثا: يجب العمل على بحث وتوفير وظائف حقيقية تستقطب وتستوعب المواطنين الخليجيين على المديات الثلاثة القريب والمتوسط والبعيد، للإسهام في معالجة المشكلة عمليا وفعليا لا تنظيرا وشعارات، وضبط إيقاعها بما يخلق التوازن في سوق العمل. رابعا: على المديين البعيد والمتوسط يجب إصلاح التعليم وتجويده وتحديث مناهجه وتخصصاته وتعزيز قدرات المعلمين، وإصدار وتطوير وتطبيق القوانين والتشريعات الخاصة بتنظيم سوق العمل بما ينسجم ويتواكب مع تطورات السوق العالمي ومتطلباته، والاستثمار في قطاعات السياحة والأسماك والزراعة والصناعة والذكاء الاصطناعي والعنصر البشري بتأهيله وتدريبه والاستثمار فيه لكي يتمكن من المنافسة على الوظائف في الداخل والخارج. خامسا: لا تزال بعض المهن في الشركات ومؤسسات القطاع الخاص يهيمن عليها الأجنبي، ولامتصاص عدد الباحثين عن عمل يجب الالتفات إلى تعمين جزء من هذه الوظائف وتشجيع المواطنين الخليجيين على الالتحاق بها ومنافسة الأجنبي بالكفاءة عليها. سادسا: لا تزال الملاحظات الخاصة بتسهيل الإجراءات وجذب الاستثمار الأجنبي وفتح الأبواب والتيسير ومنح الجنسية للكفاءات العالية من جنسيات مختلفة غير واضحة في بعض البلدان الخليجية وترافقها الملاحظات الناقدة لذلك لا بد من معالجة كل المعيقات التي تقف وراء وصول استثمارات وكفاءات وخبرات عالية، ففي ذلك قوة للاقتصاد والاستثمار وقوة شرائية وتوفير فرص عمل.