الطبقة الوسطى 2-2

في المقال السابق تحدثنا عن مفهوم وأهمية الطبقة الوسطى ودورها في النشاط الاقتصادي، وذكرنا أن هذه الطبقة تلعب دورا محوريا في العملية التنموية، فمن خلالها ينمو ويزدهر ويستقر الاقتصاد. في هذا المقال سوف نحاول التعرف على حجم ودور هذه الطبقة في دول مجلس التعاون. اجتهد الكثير من الكتاب والمحللين في تحديد وتعريف الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون، وقد ذهب البعض منهم إلى القول بأن الثراء الذي يتمتع به المجتمع الخليجي بفضل وفرة الموارد النفطية والطفرة في أسعار النفط في بداية العقد السابع من القرن الماضي ونعمة الاستقرار الاقتصادي، ساهم بشكل كبير في انكماش الفقر وزيادة عدد الأثرياء، حيث إن متوسط دخل الفرد في هذه الدول شهد طفرة هائلة خلال العقود الأربعة الماضية، وقد يتجاوز مثيلاته في الدول المتقدمة. وعلى ذلك يعتقد البعض أن الطبقة الوسطى الخليجية تمثل تقريبا 80% من المجتمع الخليجي. إنه، وفي ظل غياب المعلومات والمؤشرات الدقيقة، يصعب على الباحث تحديد نسبة وحجم هذه الطبقة، فلا توجد لدينا معايير ومؤشرات اقتصادية تمكن الاستعانة بها في تحديد الحجم الطبقي، وحتى خط الفقر، وهو مؤشر هام في التعرف على المستوى المعيشي لأي بلد، غير معروف في دول المجلس، وكذلك بالنسبة إلى الحد الأدنى للأجور، فليست هناك معايير ثابتة ومتفق عليها في دول المجلس. إن مقاييس التحديد الطبقي تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر باختلاف الثقافات وحجم وطبيعة الاقتصاد. فعلى سبيل المثال يُعَرِّف البنك الدولي الدول الفقيرة بأنها تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار شهريا، بينما برنامج الإنماء للأمم المتحدة أضاف معايير أخرى تعبر مباشرة عن مستوى رفاهية الإنسان ونوعية الحياة. وفي الكويت مثلا، وحسب معايير الأمم المتحدة وقياسا إلى متوسط دخل الفرد، قد تكون الأسرة هناك المكونة من خمسة أفراد تحت خط الفقر في حال كان مدخولها الشهري أقل من ألف دينار، فالفقير في بنجلادش أو الصومال لا يُقاس بالمقاييس نفسها التي يقاس بها الفقير في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو أي دولة متقدمة أخرى. إنه، ولغرض معرفة حجم الطبقة الوسطى، تنبغي معرفة طبيعة النظام الاقتصادي ومصادر التمويل الأساسية التي يعتمد عليها هذا النظام. ففي دول مجلس التعاون تلعب الدولة دورا محوريا في توزيع الإيرادات النفطية وذلك من خلال الميزانية الحكومية، وهي الأداة الاقتصادية الأساسية، بل الوحيدة التي تستخدمها الدولة بفاعلية في عملية تنفيذ سياساتها الاقتصادية وتحقيق أهدافها الإستراتيجية. فمن خلال هذه الأداة تقوم الدولة بتوزيع الإيرادات على القطاعات الاقتصادية وضخ السيولة كلما احتاج الاقتصاد لذلك. فالاقتصاد الخليجي يعتمد بشكل أساسي على المصروفات الحكومية، والتي تعتمد على الإيرادات النفطية، مما يعني أن النشاط الاقتصادي والمستوى المعيشي للفرد مرتبطان بشكل كبير بأسعار النفط في الأسواق العالمية، فكلما ارتفعت هذه الأسعار كلما ارتفعت الإيرادات النفطية وأصبحت الدولة قادرة على ضخ المزيد من السيولة في الاقتصاد لتزيد من النشاط الاقتصادي وحركة دوران رأس المال ويزداد بذلك متوسط دخل الفرد. والعكس صحيح تماما، فعندما تنخفض أسعار النفط تتقلص قدرة الدولة على ضخ السيولة، مما يؤدي إلى انكماش الاقتصاد وانخفاض متوسط الدخل، ويزداد عدد الفقراء. وهذا يعني أن حجم الطبقة الوسطى أصبح مرهونا بحجم الإيرادات النفطية، فقد تصل نسبتها إلى 80% من المجتمع الخليجي عندما تكون أسعار النفط مرتفعة وقد تضمحل وتصل إلى 30% عندما تنكمش تلك الأسعار. أي أن هذه الطبقة في الاقتصاد الخليجي مُعَرَّضَة دائما إلى هزات كبيرة وخطيرة، خاصة أن نظامنا الاقتصادي مرتبط بمتغيرات اقتصادية وسياسية دولية. كما أنه يمكن القول إنه خلال فترة الازدهار، فإن الطبقة الفقيرة في دول المجلس قد يعادل مستواها المعيشي الطبقة الوسطى في مجتمعات أخرى، خاصة أن هذه الطبقة تتمتع بمستوى تعليمي ومهارات تمَكِّنُهَا من المساهمة في النشاط الاقتصادي. إنه وبفضل الإيرادات النفطية الضخمة، فقد نجحت اقتصاديات دول المجلس خلال العقود الأربعة الماضية في تكوين طبقة وسطى واسعة يتسع حجمها مع زيادة التدفقات النفطية، كما نجحت أيضا، في صناعة أثرياء من العمالة الوافدة وحولتهم من أسر فقيرة منعدمة الدخل إلى الطبقة الوسطى في مجتمعاتها. إن استقرار هذه الطبقة أصبح مرتبطاً باستقرار أسعار النفط الذي انخفض من 140 دولارا في نهاية عام 2014 إلى سعره الحالي وهو 38 دولارا للبرميل، وستكون لذلك نتائج سلبية على استقرار الاقتصاد ونموه. ويجب القول إن الحكومات لا تتحمل وحدها المسؤولية في تراجع الطبقة الوسطى، فالأفراد يتحملون المسؤولية أيضا، فهناك غياب لثقافة الادخار والاستثمار، وشيوع ثقافة الاستهلاك غير الإنتاجي.