النقل والتطور التكنولوجي

نتكلم دائماً عن الاتصالات والإنترنت كركيزتين أساسيتين للتطور في القرن الحالي ومستقبلاً، ونجهل أو نتجاهل أهمية قطاع آخر ساهم بقوة في تحقيق النمو بل التنمية الاقتصادية عبر القرون وهو النقل. في القرن التاسع عشر، كان السفر مكلفاً، غير مريح، خطراً وبطيئاً، نقل البضائع كان بطيئاً، مكلفاً وغير مضمون النتائج، تغيرت الأوضاع ليس فقط في التكلفة والسرعة وإنما أيضاً في السلامة والراحة. تطور قطاع النقل عبر ثورات ساهمت في تسريع وتحسين شروط العمل بدأ من البحر إلى سكك الحديد والسيارات ثم الطيران فالفضاء، كما شهدنا مؤخراً مع العملاقين "برانسون" و"بيزوس". نجاح كل ثورة بني على صناعات تقدمت بشكل موازٍ، مثلاً قطاع النقل البحري بُني على تطور بناء السفن وسرعتها وفاعليتها في حسن القيادة والإبحار. تطور سكك الحديد بُني على تصنيع قطارات زادت سرعتها مع الوقت بفضل طاقة البخار. أما قطاع النقل البري عبر السيارات والشاحنات فلم يكن ليزدهر لولا بناء المحركات التي اعتمدت على الطاقة المتنوعة. نعلم جميعاً أهمية قطاع الطيران لكل شيء بدأ من السفر إلى النقل، علماً أن فاعليته في ازدياد مستمر بالرغم من التأثيرات السلبية لكورونا التي ضربته اقتصادياً ومالياً دون أن تؤثر على التكنولوجيا.  السرعة والسلامة والفاعلية لم تعد العوامل الوحيدة المهمة في هذه القطاعات، أدخلت المواضيع البيئية إليها، أي ضرورة بناء قطاعات نقل لا تلوث أو أقله مع تلوث قليل أدنى بكثير من واقع اليوم. مستقبل القطاع سيكون نظيفاً أي سيعتمد أكثر فأكثر على طاقات غير ملوثة لأن مشكلة التلوث هي عالمية. إذا وجد التلوث في آسيا أو أمريكا أو أستراليا، سنجده أيضاً في العالم العربي بسبب انتقاله عبر الهواء والمياه والإنسان وغيرها من الوسائل. عامل التلوث هو أحد الأسباب الأساسية وراء إنتاج السيارات الكهربائية التي بدأت تغزو الأسواق لكنها ما زالت مرتفعة الثمن وتحتاج بديهياً إلى وجود كهرباء وهذا غير متوفر في العديد من الدول الناشئة والنامية. يؤثر النقل على نوعية الحياة، لكنه يعتمد في نفس الوقت على بنية تحتية مناسبة. أما البرنامج الذي صوّت عليه الكونغرس الأمريكي والذي اقترحه الرئيس بايدن فهو مؤشر واضح على أهمية البنية التحتية في حياة الإنسان. برنامج 1,2 تريليون دولار الذي جمع الحزبين في التصويت سيساهم في تطوير الطرق وسكك الحديد ويدعم الاتصالات والبيئة. أمريكا لا تكتفي بما هي عليه بل تسعى لتطوير نفسها تحضيراً لتحديات المستقبل الكبيرة. أما الصين، فطريق الحرير الجديد يرتكز على بناء البنية التحتية العالمية وبالتالي يشكل اعترافاً واضحاً بأهمية النقل للنمو. ارتفاع أسعار النفط سيسرع تحول النقل المعتمد على المحروقات العادية إلى آخر يرتكز على الكهرباء وربما الهواء والمياه والنووي السلمي وغيرها. الهندسة الكهربائية ستكون أكثر أهمية في المستقبل، ولا بد من لفت نظر الجامعات والمعاهد المهنية إلى ضرورة المتابعة بل قيادة التطور في هذا الاختصاص المهم.