نشأ في القرية الصغيرة على أطراف المدينة بين أقرانه من الاقارب، وذهب الى نفس المدرسة، تشارك مع الجميع ألعابهم البريئة وسبح في بركة القرية التي كانت تمتلئ في الشتاء من ماء المطر، كبر مع العائلة الكبيرة يحمل نفس الهموم والطموحات وكذلك الشعر والملامح، أحب الارض وعشق السماء، شارك في الافراح وسار الجنائز، كان حجرا من فسيفساء المكان يكتمل به وبه يكتمل المكان، كبر صديقنا وأراد ان يتزوج ابنة الجيران وبدأت عندها تختلف النظرات وتتغير المعطيات ويتحول المنطق ويسود التعنصر ويختفي وجه التسامح وتتعاظم الفوارق المزعومة، فلم يكن بطل قصتنا من نفس العشيرة فقد تزوجت أمه من رجل غريب، فلم يشفع له عمره وعمله، صباه وشبابه أرضه ولا حتى سماؤه، فهو ليس منهم بمنظورهم ومنظارهم المخروطي الذي لا يعطي الا الصور المشوهة والتي فصلت على عقولهم المخروطية التي لا تعي الا الحقائق المشوهة.
عندها ادرك انه لا ينتمي الى ذلك المكان، ليس عيباً فيه ولا عيباً في المكان أو أهله، ولكن عيباً سافراً في تلك الأفكار والقيم التي تبناها أهله الذين لم يكونوا كذلك عندما دعت الحاجة، انني اؤمن ان اختيار الانتماءات والولاءات بشكل صحيح هي اهم من العمل على إنجاح التجارب، وتمتد قائمة الانتماءات طويلاً في كل الاتجاهات ابتداء من دائرة الأصدقاء والتي اذا لم يتم اختيارها بعناية فسيصدم الشخص مع اول تعامل جدي مع أصدقائه لأنهم اذا لم يكونوا من نفس المنهج الفكري والبعد البيئي ونفس القيم والمبادئ فسوف يخذلونه عند اول محك، وكذلك عندما يقوم الطالب باختيار تخصص الدراسة في الجامعة فإذا لم يكن ينتمي حقاً الى ذلك التخصص من الناحية العلمية والقدرات والرغبة فلن يصمد طويلاً في ذلك التخصص وان فعل فلن يبدع أبدا وان نجح فسوف يعمل في قطاع آخر يحبه وينتمي اليه، وكذلك الموظف الذي دخل العمل في وظيفة لا ينتمي اليها فكراً ولا مهنية ولا توجهاً، فسيجد نفسه مغصوبا على العمل مدفوعاً كمن يدفع الى ارض معركة لا تخصه، فلا يتفاجأ انه لم يتميز ولَم ينجز ولَم يثبت ذاته، والأمثلة كثيرة في كل مجالات الحياة، والشاهد والمقصد والنصيحة هنا ان نكون في غاية الحذر والدقة والموضوعية في اختيار انتماءاتنا وولاءاتنا، فلا ننتمي الا لمن يشبهنا فكرا ومنطقا، وإذا اضطررنا الى غير ذلك فلا نرفع سقف توقعاتنا كي لا نصاب بخيبة الأمل، كما ان علينا دائما أن نستمر في البحث عن من يشبهوننا وعندما نجدهم علينا ان نحارب للبقاء معهم وحتى لا تكون أنت ابن الخالة، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى لقا