هل يمكن تطبيق مفهوم الحمد والشكر بشكله الديني العقائدي وإسقاطه على البعد الاقتصادي والعملي والحياتي؟ قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (7) سورة إبراهيم، في وصف واضح وصريح في العلاقة مع الله. إن شُكْر النعمة هو أساس استمرارها وزيادتها، ولما كان القرآن منهج حياة ودستور معاملات يمكن إسقاط المعنى بين الناس وفِي المعاملات التجارية، إذ إن السلوك الإنساني القويم السليم لابد أن ينتج عنه ردة فعل سليمة من المقابل وأن السلوك العملي المرتبط بتقديم خدمة أو سلعة للمجتمع عندما يكون متقنا وبجودة عالية هو بحد ذاته شكر لنعمة وجود الطلب على تلك السلعة أو الخدمة، والاستمرار في شكر النعمة هنا هو الاستمرار في المحافظة على نفس الجودة. أما بالنسبة للعلاقات الإنسانية فإن التواجد في مجتمع ما والانسجام معه هو بحد ذاته مطلب ونعمة تستحق الشكر عليها لتستمر وبالتالي شكرها هو من خلال المحافظة على ذلك المجتمع والعمل الدؤوب المستمر على تحسين ذلك المجتمع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3]. بإشارة مباشرة لمبدأ الوحدانية في كل شيء وأن الرزق هو من الله وحده ولكنه جعل الفضل بين الناس في تعاملاتهم المالية والتجارية والإنسانية، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، يعني أن من كان من طبيعته وخلقه عدم شكر الناس على معروفهم وإحسانهم إليه فإنه لا يشكر الله، لسوء تصرفه ولجفائه، فالشركة الكبيرة تشكر المجتمع من خلال جودة ما تصنع والمريض يشكر الله بشكره الطبيب عليه فإنه ينبغي للمؤمن أن يشكر على المعروف، وأن يقابلوا المعروف بالمعروف، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، فهذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. قال الحسنُ البصريُّ: "إن الله ليُمتِّعُ بالنعمةِ ما شاء، فإذا لم يُشكَر عليها قلبَها عذابًا". ولهذا كانوا يُسمُّون الشُّكرَ: الحافِظَ، لأنه يحفظُ النعمَ الموجودة، والجالِب، لأنه يجلِبُ النعمَ المفقودة وهذا يقودني إلى وضع تعريف بسيط وملخص لبعض أشكال النعمة، منها العمل نعمة وإتقانه شكر، والأصدقاء نعمة وحسن معاملتهم شكر ووجود من يقدم خدمة مفيدة سواء مدفوعة أو غير مدفوعة نعمة وتقديرها شكر وبالشكر حفظ للنعمة، والمحبة نعمة وإبعاد الشكوك عنها شكر والإخلاص نعمة والمتابعة فيه شكر وحفظ للنعمة وأخيراً الحياة بكل تفاصيلها ما نراه جيدا وما نراه سيئا كلها نعمة والحفاظ عليها وتقديرها مدعاة لدوامها، أشكر من قرأ هذا المقال وإلى أن نلتقي على محبة هذه تحية وإلى اللقاء.