توجهات مستجدة

علينا أن نستوعب أن عصر الطاقة الرخيصة محليا قد انتهى وأن سياسات الدعم غير الاقتصادية قد انتهت بدورها تتطلب المرحلة الحالية استيعابا كاملا للإصلاحات الاقتصادية والمالية المهمة التي أقدمت عليها دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الماضية المتزامنة مع الانخفاض الكبير في اسعار النفط والتي تتطلبها مرحلة النمو حتى في حالة استمرار الاسعار عند معدلاتها المرتفعة، وذلك لاسباب موضوعية تتعلق بالتغييرات الهائلة في ميزان الطاقة الدولي وبروز عوامل جديدة، وبالاخص التطور المذهل في مصادر الطاقة البديلة والارتفاع الكبير في انتاج الغاز والنفط الصخريين. وفي هذا الصدد تشير البيانات الى ان هذا التغيير سيسير بصورة اسرع في السنوات القادمة ليحدث المزيد من الخلل، فاجمالي الاستثمارات في الطاقة المتجددة بلغ 286 مليار دولار في عام 2015 ، لذلك يتوقع انه في عام 2027 سيتم تجاوز توليد الطاقة عن طريق الغاز لصالح الطاقة المتجددة وستحل الطاقة المتجددة محل الفحم في عام 2037، ووفق وكالة الطاقة الدولية فمن المتوقع ان تنمو الطاقة الشمسية من اجمالي الطاقة الانتاجية العالمية من 3% في عام 2014 الى 18% في عام 2022. هذه التغيرات الجذرية كيف يمكن التعامل معها واستيعاب تغيراتها وتسخيرها لصالح سياسات التنمية، باعتقادنا هذا هو التحدي الاساسي الذي يواجه البلدان المعتمدة على انتاج النفط والغاز، اي باختصار ما العمل؟ اولا علينا ان نستوعب أن عصر الطاقة الرخيصة محليا قد انتهى وان سياسات الدعم غير الاقتصادية قد انتهت بدورها، مما يتطلب التعامل بادوات اقتصادية اكثر حداثة واستمرارية تستجيب والتغيرات التي اشرنا اليها بصورة سريعة ليتزامن ذلك مع ايجاد مصادر دخل بديلة، سواء بتنمية القطاعات غير النفطية او باتباع سياسات ضريبية فعالة والغاء الدعم المكلف مع اقتصاره على ذوي الدخل المحدود، بمعنى ادق تغيير الهيكلية الاقتصادية المعتمدة على النفط، وهو ما عبر عنه صاحب السمو/ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي عندما اشار الى التحضير لتصدير آخر برميل نفط. ثانيا الاستثمار بكثافة في انتاج الطاقة البديلة، حيث تسير ثلاث دول عربية بصورة صحيحة ضمن هذا المسار، وهي الامارات والسعودية والمغرب، اذ من المتوقع ان يشكل ذلك اكتفاء ذاتيا في المملكة المغربية. ثالثا زيادة استخدامات مصادر الطاقة الهيدروكربونية في تصنيع المنتجات المعتمدة عليها، كمواد اولية، كالمنتجات البتروكيماوية التي يتزايد الطلب عليها، خصوصا وان دول مجلس التعاون الخليجي تحولت في العقود الثلاثة الماضية الى مركز عالمي لمثل هذه الصناعات الحيوية للعديد من القطاعات الاقتصادية. صحيح ان هذه التغيرات السريعة جدا في مجال الطاقة قد شكلت نوعا من المفاجأة بالنسبة للبلدان المنتجة للنفط، الا ان سرعة الاجراءات المتخذة قد حدت ايضا من تأثيراتها السلبية على الاوضاع الاقتصادية العامة، حيث تمكنت دول المجلس من زيادة العائدات غير النفطية، وبالتالي التقليل من نسبة العجز في الموازنات العامة. لذلك، فان الالتفاف حول الاصلاحات الاقتصادية المتخذة والنظرة المستقبلية الشاملة تشكل المخرج الصحيح، فالامر لا يتعلق برفع سعر الطاقة او الغاء بعض العلاوات التي اتخذت في فترات سابقة، وانما تتعلق بالمصلحة العليا الخاصة بتكاتف جهود الجميع لبناء اقتصاد حديث يملك القدرة على الاستمرار والنمو بدون الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، وهو اذا ما تحقق يستجيب للتغيرات الطاقوية في العالم ويشكل ضمانة لحياة كريمة ومستقرة.