أدوات السياسة النقدية

هنالك مبدأ مهم هو «استقلالية السياسة النقدية»، أي تقرر من قبل المصرف المركزي وليس من قبل الحكومة لإبعادها عن التجاذبات السياسية. في الممارسة، لا تكتفي السياسة النقدية بالقيام بدورها الأساسي وهو مكافحة التضخم. ما قامت به في 2008 - 2009 وتقوم به اليوم في زمن الكورونا هو ضخ السيولة في الأسواق لتوفير النقد لقطاع الأعمال كي يستثمر وينفق. لذا أصبحت السياسة النقدية مكملة للسياسة المالية عبر قيام المصرف المركزي بشراء أو بيع السندات في الأسواق الثانوية لتخفيف أو زيادة حجم الكتلة النقدية. في المنطقة العربية، معظم المصارف المركزية لا يتمتع بالاستقلالية. هذا يضعف دورها ويقلل من شأنها اقتصاديا ووطنيا. حتى في بعض الدول الغربية كبريطانيا، لم تعط الاستقلالية إلا حديثا لأن السياسيين يخافون منها. في بعض التجارب الخارجية، نرى أن المصارف المركزية الأمريكية اللاتينية مثلا لعبت دورا كبيرا في دول متقلبة ومعروفة بعدم استقرارها السياسي والاجتماعي. استطاعت هذه المصارف المستقلة أن تحافظ على تضخم معتدل ساهم في تحفيز النمو الاقتصادي العام. تجربة مدهشة حصلت في 2008 حيث كانت الاقتصادات الصناعية تغرق بينما الأمريكية اللاتينية تعمل بهدوء. انخراط الاقتصاد الأمريكي الجنوبي في الاقتصاد العالمي جعله يستفيد في حركات السلع والخدمات كما من حركات رؤوس الأموال ضمن ضوابط واضحة. في 2007، نما الاقتصاد الأمريكي اللاتيني 5,4% وثم 4,4% في السنة التالية. حصل نمو سلبي في 2009 أي 2% لكن النمو الإيجابي عاد مع 3,5% في 2010 وهذا جيد في دول عانت الكثير ماليا. في مجموعة دول أمريكا الجنوبية هنالك دولتان أساسيتان هما البرازيل (نصف الاقتصاد العام) والمكسيك (الربع). المجموعة المتبقية تعتمد أساسا على تصدير المواد الأولية وبالتالي أقل تأثيرا في الداخل. باستثناء البرازيل، الدول الأمريكية اللاتينية تتكلم الإسبانية ولها تاريخ مشترك وثقافة مشتركة. البرازيل تتكلم البرتغالية ولها عادات مختلفة لكن هنالك الكثير من التشابه. إذا ميزنا بين الدول في 2010 أي مباشرة بعد «الركود الكبير»، نرى أن البرازيل نمت 4,8% والمكسيك 2,3% وبالتالي أقلعتا. تختلف النسب للدول الأخرى تبعا لأسعار المواد الأولية التي تصدرها ولأوضاع الأسواق الخارجية. هنالك عامل سلبي مشترك بين دول أمريكا اللاتينية هو توسع فجوة الثروة والدخل إلى حدود خطرة. هنالك عوامل مشتركة هي ضعف الادخار والرغبة الدائمة في تأجيل القرارات الصعبة كما عدم ديمومة النتائج الجيدة مما يعيق عملية التنمية. هنالك تفكير عميق عالمي بمستقبل السياسة النقدية لأن الأزمات تستمر وتتغير في أشكالها. هل يجب أن تكون السياسة النقدية هجومية أي تستبق الأحداث ولا تنتظر المشكلة لتعالجها؟ هل تحتاج المصارف المركزية لأدوات جديدة فاعلة تساعدها في تحقيق الأهداف، علما بأن بعض الأدوات في فترة 2008 كانت شديدة الخطورة؟ كيف يمكن التنسيق مع السياسات الأخرى وما هي صلة الوصل الدستورية أو المؤسساتية؟ الفترة التي نعيش خلالها هي فترة تعلم وترقب أكثر منها تنفيذ وتقييم.