متلازمة الجهل

إن الجهل والمعرفة إخوة في الرضاعة، فلا يمكن أن نتعلم أي شيء ما لم نكن نجهله، فالجهل هو مفتاح المعرفة وميزان العلم، وهو أحد أهم مكونات المعرفة ويمكن أن نسميه متلازمة المعرفة، وهو يسير بطريقة عكسية متلازمة مع المعرفة، والهدف من الطرح هنا هو التركيز على معرفتنا بجهلنا، فكلما كنا أكثر معرفة بما نجهل سهَّلَ ذلك علينا بناء قناعات قبول مبدأ الجهل بالشيء كاول وأهم خطوة باتجاه التعلم. قد يبدو هذا الكلام بديهياً ومسلما به ولكن إنني أجزم بأن أهم مشاكلنا سواء على المسار الفردي أو المؤسسي هي اعتقادنا بالمعرفة، فالجميع يعتقد أنه على حق وبالتالي يعمل على الدفاع عن وجهة نظره تلقائياً وتصبح المعركة في كيفية إقناع الآخرين بها، سواء بالسلطة أو بالنفوذ أو بمنطقة الصورة وتحوير الحديث وتزيين المخرجات، ولا يعود النقاش في مدى صحة الطرح أساساً من عدمه، ومن المهم هنا تفسير معنى الصواب والخطأ حتى لا نترك المفهوم معوما أو مطلقا، فمعنى أن تكون مصيباً في أمر ما هو صحيح بمقدار ما يحقق مصلحة من وجهة نظرك وللجهة التي تحاول مساعدتها وهو أيضاً خاطئ بنفس المقدار عندما تعكس الاتجاه للجهة الأخرى، وبالتالي إننا نستطيع فقط أن نرى زاوية الصواب حسب مفاهيمنا الخاصة وهذا ما يجعل آراءنا خطأ من وجهة نظر المقابل، طبعا بشكل نسبي، والحل في هذا الطرح هو التركيز على معرفة ما نجهل حتى نتعلمه وأن نقتنع أن معرفتنا ما هي إلا مقدار ما ننتقص من جهلنا، وأن الأصل في الأمور هو الجهل والاستثناء هي المعرفة، عندها يصبح التعلم نمط حياة مستمرا. وتقبل الآخر أحد أبواب المعرفة والتغيير هو التطور الطبيعي للحياة، كما أن وعاء المعرفة يختلف من شخص لآخر فمعرفة إنسان بالحروف الأبجدية تجعله يكتبها بطريقة ما تخصه هو بذاته بينما شخص آخر سيكتب نفس الحروف بطريقة مختلفة وبالتالي وكنتيجة حتمية فإن نفس المعارف تكون مختلفة من فرد لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن زمن لآخر، مما يعقد الأمور ويجعل من المستحيل إيجاد حالة من التوافق التام حول موضوع ما بين الجميع، والنتيجة القطعية إذا أنه لا يوجد صواب مطلق متفق عليه ولا خطأ مطلق نسبياً متفق عليه لذا تبقى المعرفة دائماً ناقصة ويبقى الجهل أفضل طرق المعرفة. وهنا تحضرني الفصول الأخيرة لقصة المناضل تشي جيفارا وكيف كان جهل البوليفيين مقابل معرفة جيفارا أمام الاستغلال الأمريكي لثروات بوليفيا وباقي الدول المجاورة، فقط كان معيار المعرفة والجهل بالصالح العام هو ما دفع القوات البوليفية من خلال الوشايات المحلية بإلقاء القبض عليه وقتله. نعم إن الأمر الوحيد الذي يحدث فرقاً في هذا الوجود هو المعرفة بالجهل والطريق إلى المعرفة.