يتغير الاقتصاد العالمي بسرعة بسبب التطورات الميدانية والمواقف السياسية الحادة. تنتقل أمريكا اليوم من مواقف الرئيس ترامب الانعزالية الى انفتاح الرئيس بايدن الذي يقول إن أمريكا عادت الى الساحة الدولية. اجتماعات بريطانيا للدول السبع الكبرى واجتماعات بروكسيل لحلف شمال الأطلسي أراحت الأجواء السياسية العالمية وجعلت الرئيس الأمريكي يفاوض بوضوح أكثر الرئيس الروسي في جنيف. تغير القيادة الرسمية في اسرائيل غير بعيد عن التغيير في رأس السلطة في واشنطن. تركيز ترامب على «أمريكا أولا» في ظروف كان يعاني العالم خلالها من مشاكل مشتركة في الصحة وغيرها يشير الى أنانية كبيرة في التفكير. أمريكا بنت نفسها كقوة كبرى بفضل الهجرة والمنافسة والتواصل وعبر اعطاء فرص النجاح للجميع. المدهش في الاحصائيات ما قبل الرئاسية أن من اقترع لدونالد ترامب لم يقل ذلك ربما خوفا أو غضبا أو رغبة في المفاجأة. الفارق الكبير في أصوات 2020 سمح لبايدن بالفوز، لكن ما حصل في 61 لن يمحى من الذاكرة لعقود قادمة وقد ألمح اليه الرئيس بوتين في مؤتمره الصحفي في سويسرا. في أمريكا المواقف والحريات، لا يعبر مواطنوها عن أفكارهم الديموقراطية وحقوقهم وخياراتهم بهدوء، بل يعتدي البعض على معقل الديموقراطية التشريعية. أمريكا تغيرت وهذا مؤسف وربما تعود. ما زالت أمريكا تريد الاهتمام بنفسها، لذا فسحت المجال مثلا لفرنسا بلعب دور أكبر في المنطقة بدءا من لبنان. أمريكا تريد سحب جيوشها من أماكن النزاع كأفعانستان لتخفيض انفاقها العسكري وهذا حق لها. هنالك تغيير كبير ليس فقط في السياسات الأمريكية، وانما في التفكير الأمريكي الاستراتيجي وهذا في غاية الأهمية والخطورة. فوز الرئيس بايدن يصحح الأمور تدريجيا، لكن من غير المتوقع أن يعيد الأوضاع الى ما قبل ترامب لأن المزاج الشعبي الأمريكي تغير. انتصر جو بايدن في الانتخابات بفضل تجمع القوى المتضررة من الترامبية علما أنها غير موحدة في الأهداف والاستراتيجية. فوز بايدن اوقف التغيير الكبير الذي كان سيكمله ترامب لكنه لن يستطيع اعادة الساعة الى الوراء. عدائية الرئيس ترامب تجاه المؤسسات الدولية كانت مقلقة، اذن ما هو البديل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الدولي. بنيت هذه المؤسسات عبر جهود كبيرة من الدول الكبرى، وان لم تنجح كما يجب فلم تكن سيئة خاصة وأن البديل غير متوافر. الانتقال من نفوذ المؤسسات الدولية الى شريعة الغاب الاقتصادية خطير وسيضعف النمو الاقتصادي العالمي كما يغير الخريطة الاقتصادية. ما هو مثلا مستقبل قطاع النقل؟ ما هو مستقبل السياحة الدولية؟ في فرنسا عدد كبير من المطاعم والفنادق أقفل وفرنسا تحاول فتح اقتصادها بهدوء وحذر قبل نهاية حزيران. هنالك قطاعات ستزول أو تحجم ولن يكون الواقع الجديد الا انتقاليا. العالم الجديد يحتاج الى رؤية مناسبة تتكون بهدوء. اذا لم تشارك الصين في صنع الرؤية الدولية الجديدة، لن يستطيع العالم الخروج من التخبط والضياع لبناء اقتصادات فاعلة وشفافة.