تجارة الوقت.. وعقارب الزمن

الوقت، ذلك التحدي الكبير في حياتنا، تلك الفترة الزمنية المحدودة التي لا يُمكِن لاي شخص ان يطيلها او يغير من نواميسها، فكرة بسيطة وسهلة تتلخص في أن الانسان ما هو الا أيام وساعات بل وحتى ثواني ولحظات تمُر على أكتاف حياته حاملة بين ايديها راية تعلن من خلالها الوصول الى خط النهاية، سباق محموم مع الزمن لا يُمكن لنا أن نكسبه فالزمن لا يتوقف ونحن نفعل، والزمن لا ينام ونحن نفعل، نعم انه سباق النهاية الواحدة الحتمِّية بل هو ماراثون يتحدّى العدَّاء الذي يركض دوما نحو نهايته، فما أن يمُر يوما الا وتنقص أيامنا وما أن يعبر الوقت الا وتنقص أعمارنا، ناموس من نواميس الأرض التي لا تتغير، نعم انها تلك الحقيقة الواضحة التي كانت دوما تدعوني للتساؤل لماذا نحتفل بأعياد ميلادنا؟ اليس من الأولى ان نشعر دائما وبشكل مُستمِر بالحزن على مرور وقت لا يُعوّض؟ ولماذا نتفاخر بساعات ثمينة نلُفها على معصمنا، فنربط بها حبل الوقت على أعناقنا لِنشهد كلما نظرنا اليها انتقال جزء منا الى مكان آخر حتى يقترب الكل من نهايته؟ نشتري الساعة ولا نملك الوقت، فنحتال على تلك الحقيقة بأحجار كريمة ومجوهرات نرصّع بها آلاتنا التي نقيس بها حياتنا كي ننظر اليها بفخر بينما هي ترسم لنا خط النهاية، يا لشجاعتِنا نحن البشر ويا لغفلتنا نحن البشر، من الناحية الاقتصادية فإن ندرة الموارد هي السبب الرئيسي لغلاء أسعارها، فالندرة تولد القيمة والقيمة تُقاس بالحاجة وكم هي دائما كبيرة حاجتنا ليوم او ساعة نُكمِّل بها اعمالنا التي نظُن انها لم تكتمل بعد، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي فكرة ارتداء الساعات؟ وكيف بدأت وما هي أهميتها؟ وهل تغيّرت عما كانت عليه في الماضي؟ وكيف بدأت أهم علاماتها التجارية؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان ساعة اليد هي آلة صغيرة للتعرف على الوقت يضعها الشخص حول رسغ اليد ويتم من خلالها قياس الوقت أو الزمن، تاريخيا فإنه يُنسب الفضل في صناعة أول ساعة إلى صانع الأقفال الألماني يُدعى " بيتر هينلاين" حيث اخترع في مطلع القرن السادس عشر الميلادي نابضًا رئيسيًا لتزويد الساعة بالقدرة والطاقة وهو ما مكّن صانعي الساعات من إنتاج ساعات صغيرة متنقلة حيث كانت الساعات قبل ذلك تعمل بوساطة الأوزان المتدلية والتي كانت تُحتِّم على الساعة أن تبقى ثابتة في الوضع الرأسي لكي تعمل بشكل صحيح ودون ان تقع الأوزان المعلقة بها، كانت الساعات الأولى ذات ذراع (عقرب) واحدة فقط، كما كانت غير دقيقة وثقيلة لدرجة أنها كانت تعلَّق حول الرقبة أو تتدلى من الحزام، وكانت علبتها كروية أو أسطوانية، وفي أواخر القرن السابع عشر الميلادي، زُوِّدت العديد من الساعات بعقارب للدقائق، وأصبحت الساعات كذلك صغيرة وخفيفة بدرجة سمحت بوضعها داخل الجيب، وبقيت وكانت ساعات الجيب الأكثر انتشارًا على مدى أكثر من 200 عام، حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حين ظهرت ساعات اليد وأصبحت شائعة بشكل كبير والتي كانت مُصمّمة للنساء فقط، وفي الحرب العالمية الأولى شعر الجنود أن ساعات اليد أنسب وأسهل للاستخدام من ساعات الجيب، وهو ما ساعد على انتشارها بين الرجال أيضاً، وبالرغم من ان الهدف الأساسي للساعات وهو قياس الوقت ومعرفته الا انه ومع التطور التكنولوجي فقد تطور عمل هذه الساعات أيضا فباتت تُقدِّم معلومات كثيرة مثل التاريخ واليوم والارتفاع والضغط الجوي، كما تقوم بعض هذه الساعات الالكترونية الحديثة بوظائف خاصة مثل قياس نبض حاملها أو درجة حرارة جسمه وعلاماته الصِحيّة، بالإضافة الى الكثير من التطبيقات والبرامج والالعاب التي بات يُمكن لاي شخص العمل عليها عبر ساعة اليد. وبالانتقال للحديث عن أهم أنواع ساعات اليد فانه من المعروف بأن "رولكس" هي من العلامات التجارية الأكثر شهرة وانتشارا، وهنا نستغل الفرصة للحديث عن تاريخ نشأتها وهي التي بدأت مع الصبي "هانس ويلزدورف" الذي أنهى دراسته ومن ثم تدرّب لثلاث سنوات على يد مُصدِّر شهير للساعات في سويسرا، حيث نما شغفه ومعرفته بتلك الصناعة وبدأ بتطوير أفكار تتعلق بمستقبل الساعات الشخصية، وبعد خمس سنوات عام 1905 قام بتأسيس شركة "رولكس" مع أخ زوجته "ألفريد ديفس" حيث كانوا يقيمون في بريطانيا وكانوا يستوردون ساعات سويسرية الصنع ويضعونها في صناديق فاخرة ويضيفون اول حرفين من أسمائهم «W&D» عليها ويبيعونها للصاغة الذين كانوا يضيفون أسماءهم على الساعات، وفي عام 1908، انتقل "هانس ويلزدورف" الى سويسرا بعد ان قام بتسجيل الاسم التجاري «رولكس» والذي اختاره كونه قصيرا ويُمكِن وضعه داخل ساعة اليد وكذلك لانه سهل النُطق بجميع اللغات، وقد اهتمت هذه الشركة بجودة مكونات الساعة بشكل خاص فحصلت عام 1910 على شهادة الدقة السويسرية، ومن بعدها وحتى يومنا هذا حصلت على العديد من الشهادات في مجال الجودة والابتكار، في عام 1926 أطلقت الشركة ساعة "أويستر" مع غطاء مختوم لحماية الحركات الداخلية تحت الماء وقد كانت أول ساعة مقاومة للماء في العالم، وهي الساعة التي ارتداها السباح الإنجليزي "مرسيدس غليتز" عام 1927 أثناء السباحة عبر القناة الإنجليزية لمدة 10 ساعات حيث نجحت في البقاء بحالة عمل جيدة، وفي عام 1933 فقد صعد فريق من المستكشفين فوق إيفرست بينما كانوا يرتدون ساعات رولكس، وقد كانت هذه الاستراتيجيات المُبتكرة للتسويق المُبكّر للشركة هي الخطوات الأساسية لبناء اسم وعلامة تجارية فاخرة في عالم الساعات. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن فكرة العمل الدقيق والمُتفاني يبقى العامل الأول والاهم بعد توفيق رب العالمين للنجاح والاستمرارية، اما استغلال الوقت بالشكل الصحيح فهو أساس التفوق والتميُّز، وهنا أستذكر مقولة "الحسن البصري" الذي يقول " يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومك ذهب بعضك".