الإنتاج المعرفي.. مستقبل الاقتصاد العالمي

أفرزت العولمة تحولات عميقة على النظام الاقتصادي الذي أصبح مطالبا بمواكبة العصر التكنولوجي، الثورة الرقمية وانفتاح الأسواق، كما صارت محدداته ممثلة في السرعة، التشبيك، التنافسية والمعرفة. تعتبر المعرفة القوة الناعمة لإنجاز القفزات النوعية في سلم الأمم، وبذلك، تتسابق الدول على إرساء الأسس المتينة لمجتمع المعرفة، ذاك المجتمع القادر على توظيف العلم لاتخاذ القرارات وتحقيق الغايات عبر تعزيز الابتكار والإنتاج، والذي يحسن تطوير كفاءات الفاعل البشري في سبيل التنمية الإنسانية الشاملة.   وعلى هذا النحو، تبرز المعرفة كأحد أهم الموارد الاقتصادية فهي أساس العملية الاقتصادية وتقوم بإعادة تنظيم البنى الاقتصادية، بحيث تتيح زيادات هائلة في ‏الإنتاجية، خلق قنوات أكثر مباشرة للتوزيع، وتشجيع الإنتاج من ‏السلع والخدمات، كما تساهم في افتتاح أسواق ضخمة جديدة. فحسب تقرير البنك الدولي لسنة 2017 حول اقتصاد المعرفة وتكنولوجيا المعلومات، فإن هذه النوعية من الاقتصاد تمثل 85% من الناتج الداخلي الخام للدول المتقدمة وتخلق 75% من فرص الشغل بها، كما أنها تشكل رافعة تنموية لعدة دول آسيوية كالهند التي ضاعفت معدل نموها ثلاث مرات في عقد واحد واليابان التي رفعت صادراتها من المنتجات والخدمات المعرفية بنسبة 70%، علاوة على احتلال هونغ كونغ المرتبة الثالثة عالميا في جلب الاستثمارات الأجنبية لوجود بيئة حاضنة لمؤسسات الاقتصاد المعرفي.   يعتمد الاقتصاد المعرفي على الابتكار باعتباره عملية تدريجية وتراكمية تعتمد على الدراسة بالتعلّم وتُبنى على ‏علاقات شبكية، وعلى التفاعل المستمر بين المنشآت التكنولوجية، جامعات التعليم العالي، معاهد ‏البحوث والدراسات، المصارف التمويلية وشركات الاستثمار ومؤسسات الرقابة الحكومية.   علاوة على ذلك، يعرف العالم ثورة علمية ومعرفية، ففي تقرير صادر سنة 2016 عن منظمة اليونيسكو عن العلوم يشير إلى أن نسبة الأمية انخفضت بحوالي النصف خلال الثلاثين سنة الأخيرة مع غزارة في الإنتاج العلمي، تجلت في ارتفاع عدد المنشورات العلمية مما يقارب 350 ألف منشور في العام 1980 إلى مليوني منشور في العام 2016، وكذلك الحال بالنسبة لبراءات الاختراع التي لم تكن تتعدى 100 ألف في العام 1990 في حين وصلت إلى ما يتجاوز 500 ألف براءة في العام 2016.   وختاما، فإنجاح اقتصاد المعرفة رهين بوجود منظومة تعليمية قوية، فالتعليم عماد النهضة الفكرية والثقافية للأمم والركن العتيد في بناء صرح التنمية، وأحد أهم دروس التاريخ الثابتة أن الاهتمام بقطاع التعليم هو السبيل نحو تجاوز العقبات السياسية والإكراهات الاجتماعية، بل والارتقاء إلى منازل الصفوة في قيادة العالم.