مسألة العمالة الوافدة والتحويلات المالية

التقديرات المُعدَّلة الصادرة عن البنك الدولي في أحدث تقريره الذي صدر العام الماضي تتوقع بأن تصل قيمة التحويلات المالية إلى الدول النامية في العام الحالي 2016 إلى 516 مليار دولار. وهذا يعني بأن عدة دول في العالم كالهند والفلبين والصين وغيرها من الدول الآسيوية الأخرى تتسارع في عمليات تخطيط وبرمجة من أجل تدريب وتأهيل المزيد من أبنائها، ومن ثم إرسالهم إلى دول العالم للعمل في مواقع جديدة من أجل الحصول على المزيد من التحويلات المالية، الأمر الذي يمكّن تلك الدول من تشييد المزيد من المؤسسات وبناء وتنمية اقتصاداتها بصورة أفضل، مع توفير فرص العمل لأبنائها في كل التخصصات، بينما تعجز دول غنية في القيام بهذا العمل خاصة في منطقتنا الخليجية التي تعتمد حتى اليوم على العمالة الأجنبية في تسيير وإدارة الكثير من الأعمال والتخصصات وتواجه في نفس الوقت تحديات جديدة في إطار تراجع أسعار النفط العالمية.  وفي الوقت الذي أصبح فيه الكثير من المواطنين الخليجيين يبحثون عن فرص العمل في دولهم في ظل هذا التنافس الشرس القادم من العمالة الأجنبية، نجد أن البعض يترفعون للعمل في الأعمال المتاحة في بعض القطاعات الاقتصادية. وهنا يجب ألا يقع اللوم على الوافد القادم من البعد بآلاف الأميال ليقوم بواجبه في الأعمال المتاحة في دولنا. فالشكاوى من العمالة الوطنية الخليجية ما زالت مستمرة من قبل بعض أرباب العمل نتيجة عدم اهتمامها بالإنتاجية المطلوبة. وهذا الأمر يحتاج إلى الاستمرار في المساعي المبذولة من أجل زيادة التوعية في المجتمعات العمالية لكي ندفع بالعامل الوطني الخليجي ليتفهم الأمر ويتسارع إلى اغتنام فرصة العمل القائمة أمامه واستغلالها، والعمل بكل كفاءة وجد واجتهاد لكي تستطيع المؤسسات الاعتماد عليه في الكثير من الأعمال التي تديرها العمالة الوافدة في الوقت الحالي. فالكل على علم بأن التحويلات ما زالت تشكل مصدرا رئيسيا لتدفقات الموارد الخارجية إلى البلدان النامية، ووفقا لتقرير البنك الدولي فإنها تفوق كثيرا المساعدات الإنمائية الرسمية، وتتسم بأنها أكثر استقرارا من تدفقات الديون الخاصة والاستثمارات في أسهم رأس المال. ففي كثير من البلدان النامية تُشكِّل التحويلات مصدرا مهما للنقد الأجنبي يتجاوز العائدات من الصادرات الرئيسية، ويُغطِّي تكلفة جزء كبير من الواردات. ففي نيبال على سبيل المثال، تبلغ التحويلات تقريبا ضعفي عائدات هذا البلد من صادرات السلع والخدمات، وفي سريلانكا والفلبين تزيد بنسبة 50% و38 % على الترتيب. وفي الهند بلغت التحويلات في عام 2013 ما قيمته 70 مليار دولار متجاوزة عائدات هذا البلد من صادراته من خدمات البرمجيات والبالغة 65 مليار دولار. وفي أوغندا، تبلغ التحويلات ضعفي عائدات البلاد من سلعة التصدير الرئيسية البن، وهكذا. وهنا في المنطقة الخليجية لا تطالب الحكومات أبناءها بالسفر إلى الخارج والعمل خارجها، وإنما تطالبهم فقط بأن يكونوا على قدر من المسؤولية تجاه الأعمال التي توكل إليهم ليتمكنوا من إدارة المؤسسات التي يعملون بها بكل كفاءة واقتدار، وأن يكونوا حريصين على المؤسسات وإنتاجها.  ونرى الكثير من الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي يؤكدون على أن التحويلات المالية أصبحت اليوم مكونا رئيسيا من مكونات ميزان المدفوعات للكثير من البلدان النامية. ولا شك أن هذه التدفقات تساهم في تقليص معدلات الفقر وتعزز الرخاء والرفاهية في الكثير من دول العالم، إلا أن التقرير يوضح في الوقت ذاته بأن هناك مخاطر في تراجع تلك التحويلات في الأعوام المقبلة نتيجة لعودة المهاجرين إلى بلدانهم بسبب الصراع أو الترحيل من البلدان المضيفة. وربما هذا الأمر سوف يزيد من مشاكل تلك الدول فيما يتعلق بموضوع البطالة وزيادة الفقر.  فالعالم يشهد اليوم صراعات ومخاطر وتحديات في كل مكان، ومواضيع الهجرة والتنمية تشكل عصب تلك المشاكل أحيانا، فهناك الملايين من البشر يطالبون سنويا اللجوء إلى دول أخرى سواء للعمل أو الهجرة، الأمر الذي يزيد من احتمالات حدوث الكثير من القلاقل والجرائم في المجتمعات أحيانا، وهذا ما يجب الحذر منه بحيث تعتمد الدول على أبنائها ومواطنيها في إنجاز الأعمال المطلوبة، وبالتالي تقلل أيضا من التحويلات المالية السنوية التي ترهق الموازنات المالية للدول المصدرة لتلك المبالغ.