التعليم العالي

نستكمل اليوم ما تم عرضه سابقاً عن مستقبل التعليم العالي في المنطقة العربية، حيث يمثل العالم العربي 5.8٪ من سكان العالم وينتج 4.5٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، إلا أنّ عدد جامعاته التي تدخل ضمن تصنيف شنغهاي لأكبر المؤسسات التعليمية في العالم لا يتعدى الـ 0.08%. في نفس الوقت، لابد من الإشارة إلى عدد من التطوّرات الإيجابية في المنطقة. إذ برزت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص لما أحرزته أفضل جامعاتها من تقدم سريع. وقد دخلت أربع جامعات سعودية ضمن تصنيف شنغهاي لأكبر المؤسسات التعليمية الخمسمائة في العالم، وتمكنت اثنتان منها من الظهور ضمن مجموعة أفضل 150- 200 جامعة. وهي أيضا الدولة العربية الوحيدة المدرجة ضمن أنظمة التعليم العالي الخمسين الأفضل والتي تمّ تحديدها من قبل الاتحاد الدولي «يونيفيرسيتاس 21» في التقييم السنوي الذي أعدته جامعة ملبورن نيابة عنه. وتأتي المملكة العربية السعودية في المرتبة الـ 28 في عام 2015، بزيادة مركزين مقارنة مع عام 2014. كما ظهرت بعض الجامعات الخاصة من بلدان مختلفة مثل لبنان والأردن ومصر والمغرب كمراكز لمناهج وممارسات تربوية مبتكرة. استناداً على جميع ما تقدّم، فلابدّ للجامعات العربية من العمل على تحقيق تطورين أساسيين إذا ما كانت تعتزم تأمين مستقبل أفضل: أوّلا، طبقاً لما قامت به عدد من دول الخليج مؤخرا، ينبغي على كل دولة صياغة رؤية شاملة وجريئة للدور المستقبلي المرجوّ للتعليم العالي، وترجمة هذه الرؤية إلى خطة إستراتيجية توضح الإصلاحات الملموسة والاستثمارات والإجراءات اللازمة لتنفيذها. إذ إنّ تعزيز بنية مؤسسية متباينة، لا تتألف من جامعات قائمة على البحوث المكثفة فحسب ولكن من جامعات تتميّز بجودة تعليم عالية وكليات مجتمعيّة تركز على التدريب المهني للشباب أيضا، يشكّل عاملا مهما لتوفير فرص ذات صلة لفئة الشباب المتنامية سريعا في هذه البلدان، ولإنتاج مجموعة من المهنيين والفنيين التي يحتاجها الاقتصاد. في هذا السياق، يجب على بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط ذات الجامعات الحكومية المتعطشة للموارد أن تزيد الاستثمارات العامة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي بشكل معتبر. ثانيا، تحتاج أنظمة التعليم العالي في العالم العربي إلى تعزيز قدراتها على تصميم وتطبيق إصلاحات جذرية توافقية من أجل تحديث البنية الإدارية والإجراءات العامّة ممّا يزيد من الاستقلالية المؤسسية ويحقق الحرية الأكاديمية. ولابدّ أن تصمم وتطبق هذه الإصلاحات بشفافية وموضوعية على أساس تقييم واقعي للحاجات والفجوات ونقاط القوى والضعف القائمة. ويبقى الحماس هو العنصر الأساسي لتحقيق التطوير، فلو أظهرت الدول العربية نفس الحماس الذي تبديه تجاه نتائج تأهل فرق كرة القدم الخاصة بها لبطولة كأس العالم تجاه تطوير وتحديث أنظمة التعليم العالي لكان تغيير وتحسين الواقع الحالي أيسر وأجدى!.