جرت خلال شهر سبتمبر قمة تاريخية ثالثة بين رئيسي الكوريتين الشمالي كيم جونغ أون والجنوبي مون جاي إن في بيونغ يانغ. غلب عليها الحديث عن إمكانية تخلي كوريا الشمالية عن السلاح النووي والذي يعبر عن رغبة أمريكية أبداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في القمة التاريخية بينه وبين كيم في سنغافورة في الثاني عشر من يونيو الماضي في مقابل دعم التنمية الاقتصادية في كوريا الشمالية وتحسن دخلها وبيئتها التحتية. فهذا البلد الذي كان دائما يوصف بالعزلة والاعتزال والتي تكاد الأرقام والمؤشرات الاقتصادية غير متاحة أصبح محط أنظار المتتبعين للشأن الاقتصادي بغرض البحث في سبل تحقيق حلم توحيد الكوريتين والذي قد يغير شكل الاقتصاد الاسيوي والعالمي برمته. فلقد شكل وصول كيم للحكم حدثا مغايرا في كوريا الشمالية من خلال التخلص من الحرس القديم وصياغة نموذج دولة مركزية ترى في الصين نموذجا يحتذى به من خلال المحافظة على المعتقدات السياسية المتمثلة في تكريس الاستبداد ونظام الحزب الواحد مع خلق قنوات للانفتاح الاقتصادي قادرة على الارتقاء بمعدلات النمو وعلى استغلال الموارد البشرية الموجودة بالبلد. فالبعد الاقتصادي والتنموي يسيطر على المفاوضات الكورية حيث إن تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في كوريا الشمالية مهول مقارنة بجيرانها الآسيويين، فمعدل الدخل السنوي في كوريا الشمالية سنويا لا يتجاوز 1500 دولار، بينما يصل إلى 15000 دولار في الصين و36000 دولار في كوريا الجنوبية و52000 دولار في اليابان. لذلك، فالفرصة الاقتصادية تبدو مواتية في كوريا الشمالية وقابلة للتعاون مع جيرانها وعلى رأسهم كوريا الجنوبية من خلال استغلال اليد العاملة ومحاولة خلق مصالحة سياسية واقتصادية شبيهة بتلك التي حصلت بين ألمانيا الغربية والشرقية بعد سقوط جدار برلين في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي. كما تبدو الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لتقديم محفزات تنموية وتكنولوجية فالسوق الكوري الشمالي خصب وقادر على جلب الاستثمارات فيما يخص البنى التحتية والقطاعات الصناعية في بلد يشكل القطاع العام عصبه الاقتصادي ويعاني من تضخم بيروقراطي كبير. وعلى الرغم من ذلك، فالتكامل الاقتصادي بين الكوريتين رهين بالسياسة الأمريكية في شرق آسيا والتي أصبحت محط اهتمام أمريكي منذ عهد الرئيس أوباما، وقد يطول معها مسار المفاوضات بل قد يحتاج إلى حدث سياسي مساعد لإدماج كوريا الشمالية في المنظومة الدولية ولخلق مناخ حوار شامل خاصة في ظل المصالح العسكرية الأمريكية الكبيرة في شبه الجزيرة الكورية، تعسر لعبة القرن الواحد والعشرين بين أمريكا والصين وأدوار الفاعل الأوروبي ونظيره الروسي في هذه القضية. لكن في المجمل، فقد أتبتث التجارب الأسيوية قدرتها على تجاوز آثار التاريخ السياسي والعمل على تشاركية في الفكر تعزز القوة الاقتراحية والتطويرية في بلدان آسيا من خلال التمكن من العمل الجماعي والإخلاص في العمل، كما أن لديها مقاربة ندية وقدرة على الاستماع للآخر واختراقها بشكل ناعم ومتواضع. وبذلك قد يكون الحلم الكوري قابلا للتحقق ومحركا للتغيير في العالم ودرسا مفيدا في تعزيز المصالح المشتركة وتجاوز الخلافات التاريخية الضيقة.