منذ أزمة 2008، تلعب المصارف المركزية دورا كبيرا يفوق حجمها النظري بل حتى العملي. هنالك مصارف مركزية مستقلة عن الحكومة وأخرى مرتبطة بها. الاستقلالية هي في القرارات بحيث لا تتأثر السياسة النقدية بالمصالح السياسية والحزبية. الاستقلالية لا تعني عدم التنسيق مع الحكومة أو مع السياسة المالية، بل تعني أن القرارين مستقلان لأن الأهداف والوسائل والنتائج تقيم بأشكال ومعايير مختلفة. فإذا كان هدف السياسة النقدية عموما محاربة التضخم، فهدف السياسة المالية عبر الضرائب والإنفاق تحقيق النمو. هنالك الحوافز والإعفاءات الضريبية والمشاريع العامة التي تؤثر بقوة على الناتج المحلي الإجمالي. ما هو دور المصرف المركزي التقليدي؟ الدور الأساسي هو مكافحة التضخم كما علمنا «ميلتون فريدمان» منذ عقود وبالتالي عليه ضبط زيادة الكتلة النقدية حتى لا يزيد الضغط على السلع والخدمات فترتفع أسعارها وبالتالي مؤشر التضخم. كيف يصل المركزي إلى هدفه؟ هنالك وسيلتان أساسيتان، أي حجم الكتلة النقدية أو بصريح العبارة طبع النقد الوطني وثانيا تحريك الفوائد صعودا أو نزولا بحيث تتأثر الأسعار سلبا أو إيجابا تبعا للمصلحة الوطنية. دور السياسة النقدية هو إبقاء مؤشر التضخم ضمن هامش متفق عليه سابقا أي ما دون 3% عموما. هذا يعني أن ارتفاع معدل الأسعار سنويا ما دون 3% هو سليم وصحي وطبيعي لأن التضخم هو كالرئة في الإنسان. فالجسم بحاجة للتنفس كما الاقتصاد بحاجة إلى القليل من التضخم. تحرك المصارف المركزية الفوائد صعودا لمحاربة التضخم أي لجعل تكلفة الاقتراض أعلى وبالتالي يخف ضغط الطلب. تحرك الفوائد انخفاضا لتنشيط الاقتصاد ومحاربة الركود والبطالة. مع الممارسة تغير بعض أهداف السياسة النقدية كما بعض الوسائل بسبب الحاجة، كما بسبب تقدم العلوم والأوضاع. في لبنان مثلا، هدفت السياسة النقدية منذ التسعينيات إلى الحفاظ على سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأمريكي أي عمليا استورد لبنان السياسة النقدية الأمريكية المكافحة للتضخم. ربط أي نقد وطني بعملة أجنبية يعني اعتماد السياسة النقدية للدولة التي ربط النقد بها. لذا هدفت السياسة النقدية اللبنانية إلى بيع أو شراء الدولار في السوق للحفاظ على سعر 1500 ليرة للدولار الواحد. وجود دولار في السوق اللبنانية أساسي للسيطرة على تقلبات سعر الصرف. هنا تكمن الأزمة اليوم، إذ إن الدولار قليل جدا بسبب العديد من السياسات المكلفة والمزمنة وفي مقدمتها العجز الهائل للميزان التجاري الذي يقدر سنويا بمعدل 15 مليار دولار في بلد واقتصاد صغيرين. تعود الأزمة اللبنانية أيضا إلى ضعف الثقة أو غيابها بالحكم والحكومة وبالتالي لجوء المواطن إلى شراء الدولار بأي سعر يتوافر له. هنالك سياسات نقدية أخرى لها أهداف مختلفة كمؤشر معين للتضخم يختلف بين الاستهلاك والإنتاج كما العام. لذا وجود إحصائيات دورية ودقيقة أساسي كي تكون السياسة النقدية فاعلة ومؤثرة. أفضل السياسات تبقى السعر الحر الذي تعتمده الدول الرئيسية كالولايات المتحدة ومجموعة الوحدة الأوروبية وبريطانيا واليابان وغيرها.