رغم شهرة الكتاب ومكانته بين الكتب العربية باعتباره من بين أهم و(أفضل ما تم تأليفه في مرحلة النهضة العربية، ومؤلفه خير الدين التونسي يعتبر من أوائل المجددين في نهايات عصر الدولة العثمانية في (تونس)، إلا أنه لم تتح لي الفرصة لقراءته إلا الآن، ويعود الفضل في ذلك بالطبع إلى مجلة الدوحة الثقافية الغراء التي طبعته ووزعته في عددها الشهري الرابع والسبعين، ضمن سلسلة التراث المختارة بعناية لتعزيز الوعي في العالم العربي وتجديد الفكر وإثراء الثقافة والتعريف بالمفكرين والعلماء الكبار الذي قدموا خلاصة فكرهم وخبراتهم ومعارفهم وسخروا كتاباتهم في خدمة النهضة العربية التي لم تحقق أهدافها حتى اليوم للأسف الشديد. أفكار متقدمة للغاية في السياسة والاقتصاد وإدارة الدول حتى الضرائب والرسوم التي دائما ما تقر باعتبارها العلاج الأسهل والأيسر عندما ينضب بيت المال - والأزمة النفطية التي مرت بها دول الخليج خلال السنتين الماضيتين خير مثال - ربط خير الدين التونسي تطبيقها ونجاحها في تعزيز الموارد المالية للخزانة العامة بتوفر الرقابة الفاعلة والضبط الدقيق وقيم الشفافية وضرورة اطلاع المجتمع على كيفية وطرق توجيه موارده ومجالات صرفها، واستند في ذلك إلى جملة من الشواهد والآراء الإسلامية من بينها كلام الإمام ابن العربي الذي قال في المغارم التي تؤخذ على الناس عند فراغ بيت المال: (أنها تؤخذ جهرا لا سرا، وتنفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد). مع كل صفحة أنهي قراءتها يقفز إلى ذهني ذات السؤال مكررا بعدد صفحات الكتاب، عن أمتنا العربية التي استعصت على هذه الافكار النيرة والحلول القيمة والجهود العظيمة التي بذل عشرات المفكرين والعلماء عصارة فكرهم وخبرتهم من أجل انتشالها من التخلف والتراجع وردم الهوة التي تتسع عاما إثر عام بينها وبين الأمم المتقدمة بالعلم والمعرفة والأبحاث والصناعات وبراءات الاختراع ؟ وكما يظهر من الواقع وبعد مضي عقود من الزمن على هذه الجهود الثرية أن (التركة ثقيلة جدا بحيث لم تستطع كل تلك المحاولات الفكرية زحزحتها قيد أنملة...) ولا شك بأن (الاستبداد السياسي والرأسمالي والديني قضى على كل محاولات الإصلاح في الوطن العربي بالمال تارة وقوة السلاح تارة والوحدة الوطنية تارة والشعارات البراقة تارة أخرى...). عرض صاحب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)، ملخصا دقيقا لأحوال العالم الإسلامي والدول والأنظمة والأسر التي تعاقبت على الحكم ابتداء من مرحلة ازدهار الدولة العباسية وانتهاء بضعف الدولة العثمانية التي عاش الكاتب ردحا من الزمن تحت حكمها، وقدم تحليلا استند على تجاربه الشخصية في تقلد الكثير من المهام والمسئوليات السياسية والاقتصادية، وتطوافه بين العواصم والمدن الأوروبية مطلعا راصدا بذور نهضتها وأسباب تقدمها وازدهارها وصناعاتها المتطورة ونموها الاقتصادي المتنامي وعوامل قوتها وضمن كتابه رؤى وأفكارا تقدمية في حينها في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وعرض الكاتب لأهمية العمل على إشاعة الحريات وترسيخ قيم التسامح والعدالة وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والتشريعية وضرورة استقلاليتها مستندا في عرضه إلى التجربة الأوروبية التي بلغت شأوا كبيرا في نهضتها ورقيها وتقدمها بفضل هذه الأسباب التي عرض لها بالتفصيل، فالكتاب كما عرفه صاحبه (بحث في أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية) واستوحى مضمونه من مصادر ثلاثة (تجربته السياسية، ومطالعاته في التاريخ السياسي والاقتصادي وجغرافية العالم، ومشاهداته في أثناء الرحلات التي قام بها إلى أوروبا).