سيدفع الطرفان الأوروبي والبريطاني الثمن الأكبر منذ البداية كان على الأوروبيين الإدراك أن بريطانيا ليست متحمسة للوحدة معهم؛ فهي رفضت التخلي عن الجنيه الاسترليني ورفضت العمل باتفاقية شنجين وهما جوهر فكرة الاتحاد، مع أن الطرف الأوروبي -ممثلا بألمانيا وفرنسا- ظل يلاحق العيار البريطاني لباب داره ويقدم له التنازل تلو الآخر، لكن قلب هذا العيار لم يكن ينبض أوروبيا. لذلك فالخروج من الاتحاد الأوروبي ينسجم مع العقل الباطن الإنجليزي؛ الاقرب فكريا وثقافيا واجتماعيا إلى منظومة الأنجلو سكسون؛ التي تجمع بريطانيا مع الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، ما يعني أنها (بريطانيا) دخلت هذا الاتحاد مرغمة منذ استفتائها الشهير في العام 1975، وضمن ظروف أملت عليها الموافقة بعد أن غابت الشمس عن إمبراطوريتها إثر أزمة السويس في العام 1956، والتحذير الأمريكي لحكومة المحافظين حينها بوقف الحرب والانسحاب؛ فكان ذلك إيذانا بهزيمة سياسية ظهرت نتائجها الاقتصادية في العام 1968، عبر عنها إنهيار الجنيه الاسترليني، وإعلان الحكومة العمالية انتهاء سياسة شرق السويس، والتخلي عن المستعمرات والقواعد مع نهاية العام 1971، إذ لم يعد ممكنا لبريطانيا تحمل تكاليف البقاء فيها، لتكون أوروبا ملاذها الآمن، لكن وبعد العودة لما أسمته بسياسة شرق السويس الجديدة، والتحالف مع الولايات المتحدة في أكثر من ملف، فإنها لم تعد بحاجة للاتحاد الأوروبي؛ لتخرج منه كما دخلت إليه باستفتاء شعبي أيضا. وهو خروج ليس بلا ثمن، فالعالم الذي لم يتعاف اقتصاده بعد جراء الازمة المالية العالمية سيعاني منه، وسيدفع الطرفان الأوروبي والبريطاني الثمن الأكبر، لأن للتركيب (أي الوحدة) ثمنا، وللتفكيك (أي الانفصال) ثمن أيضا، فهناك أنشطة تجارية متبادلة قيمتها 575 مليار دولار سنوياً تحتاج لحسم حركتها، والتزامات مشتركة تتطلب تحديد المسؤوليات بشأنها، فالخروج سيحرم بريطانيا من سوق استهلاكي (509 ملايين مستهلك حسب تقديرات 2016 )، ومن فوائد سياسية ورياضية ووظيفية وخدمية ومالية، ناهيك عن تراجع التصنيف الائتماني من مستقر إلى سلبي، أي خسارة إجمالية تقدر بحوالي 300 مليار يورو بحلول العام 2030، في المقابل سيحرم الاتحاد الأوروبي من القوة الاقتصادية الخامسة في العالم، ومن تجسيد فكرة أوروبا الموحدة التي تتنازل فيها الدول عن بعض سيادتها لتحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي لشعوبها بالانتقال طوعا من الصراع السياسي والعسكري الى التعاون الاقتصادي. في المحصلة صوت البريطانيون وبالذات الإنجليز والويلزيون ضد المهاجرين من شرق أوروبا؛ الذين يقبلون العمل بأجر أقل لكنه يزيد بالمعدل عن خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور في بلادهم، مع استفادتهم من كامل حقوق الرعاية الاجتماعية؛ دون إضافة الكثير لسوق العمل لانخفاض مهاراتهم ومعارفهم وخبراتهم، وزيادتهم معدلات البطالة بين البريطانيين، وتحويل بريطانيا إلى سوق خردة للأيدي العاملة الوافدة، فالعاملون الإنجليز المهرة يهاجرون ويحل محلهم القادمون من دول أوروبا الشرقية. كما صوتوا ضد متطلبات البقاء في الاتحاد الأوروبي؛ التي تعني التبعية له في القرارات والسياسات السيادية خاصة في مجال القضاء والتشريع والقوانين، وضد السياسات التقشفية وزيادة الرسوم والضرائب وبالذات في السنوات الخمس الأخيرة لتحقيق معايير الاتحاد الأوروبي لجهة العجز في الموازنة- عند مستوى 3% من الناتج المحلي الإجمالي- وسقف الدين العام – عند مستوى 60% من الناتج المحلي الإجمالي- وضد رسوم العضوية، ونفقات الوكالات والمؤسسات الاوروبية، وضد انخفاض مستوى الخدمات الحكومية نتيجة ذلك كله. خروج بريطانيا ربما يدفع بقوة نحو تفككها هي والاتحاد الأوروبي معا، كما يمكن انتقال عدواه نحو دول وتجمعات وكيانات اقتصادية أو سياسية أخرى اذا لم تؤد وظيفتها في خدمة الناس، وتقديم قيمة مضافة لهم، وتطور مستوى معيشتهم، فينتفضون بالاستفتاء كما في بريطانيا والدول المتقدمة اقتصاديا واجتماعيا وديمقراطيا، أو بالعنف والارهاب كما في الدول المتخلفة اقتصاديا وسياسيا.