وتستمر تجارب القطاع البحري بالتضامنات والاندماجات لا تزال شركات الشحن البحري تواجه أقسى تحديات استمرارية أعمالها، بالإضافة للتحديات التشغيلية والفنية المختلفة التي تحدثنا عنها بمواضيع سابقة، وهو التراجع الحاد بأسعار الشحن نتيجةً لانكماش مستويات النمو الاقتصادي، والتخمة بحجم الأسطول العالمي من السفن، الأمر الذي أخَل بمعادلة التوازن بأسواق الشحن البحري وزاد من أعباء شركاتها، خاصة مع تباطؤ تعافي حركة التجارة العالمية، وانخفاض مستوى الإنفاق على المشاريع التنموية، نتيجة تراجع مداخيل الدول. ويبدو أن تجربة التوجه نحو التضامن (Shipping Alliances) بين شركات الشحن لخلق تكامل تشغيلي يمكنها من الوصول لمستوى الكفاءة بالتشغيل وتحكم أفضل بالتكاليف، لتحقيق الربحية التي تضمن استمرارية أعمالها لم تُحقق الأهداف المرجوة منها. فخلافاً للمبادرات المُستمرة للدخول بتحالفات فيما بينها، وكون خطوط شحن الحاويات التجارية بين القارة الآسيوية والأوروبية تحت سيطرة أربعة تحالفات رئيسية حالياً والمعروفة اصطلاحاً بـ(G6) و(Ocean Three) و(CKYHE) و(2M)، فلم يشهد القطاع أي تحسن ملحوظ بالنسبة لأسعار الشحن أو بحجم الأعمال ولا بتُخمة المتاح من سفن، وذلك لصعوبة عمل تنسيق فعلي فيما بينها في تنظيم الخطوط الملاحية وتشغيل أساطيلها من جهة، والوصول لمستوى الاستغلال الأمثل لمواردها مُجتمعة، لتحقيق الكفاءة بالتشغيل من ترشيد التكاليف، وزيادة نسب إشغال مواردها وأصولها. فالأسابيع الماضية طالعتنا بأنباء عن مُفاوضات جارية بشأن اندماج أنشطة (Hapag-Lloyd AG) الألمانية، سادس أكبر شركة شحن حاويات في العالم من حيث القدرة الاستيعابية، وشركة الملاحة العربية المتحدة (UASC) العاشرة عالمياً، والتي تمتلك قطر ما يزيد على 51% منها، ضمن مساعي الشركتين لمواجهة التحدي الذي يواجه الصناعة منذ فترة ليست بالقصيرة، فخلافاً على إمكانية حل مثل هذه الاندماجات والاستحواذات لبعض المشاكل المالية وانخفاض السيولة التي تعاني منها بعض الشركات بهذه الفترة، فهي أيضاً قد تُعزز من قدرات الشركات ذات الملاءة المالية على المنظور البعيد. فنجاح المفاوضات القائمة للاندماج بين الشركتين من الناحية النظرية، قد يمنح الشركة الألمانية قُدرة أكبر على رفع كفاءتها التشغيلية وبشكل أفضل «تطبيقياً» مُقارنة بالدخول في تحالفات تضامن مع شركات أخرى، لإمكانية الاستغلال الأمثل للتكاليف، والاستفادة القُصوى من الاقتصاد الكلي عن طريق توحيد السياسات والإستراتيجيات المتبعة. ما يرفع من قُدراتها التنافسية بأسواقها الحالية بالمحيط الأطلسي وأمريكا اللاتينية، والتوسع بأعمالها لأسواق الشرق الأوسط وآسيا من خلال الاستحواذ على سفن (UASC) الحديثة، وهي من فوائد الدمج بين الشركات المماثلة في ذات القطاع في ظروف السوق العادية، لكن سيبقى تحدي إنجاح هذا الاندماج من الناحية العملية في ظل غياب آليات سهلة التطبيق تُمكن من استرجاع التوازن بطرفي المعادلة (القُدرة الأسطولية العالمية من جهة، وحجم الأعمال بالقطاع من جهة أخرى) مكان شك.