شكل آخر صنعته العلاقة الفريدة بين الرياضة والسياسة حين اتسعت مساحات التواجد للجماهير الداعمة لمنتخباتها واجهة التعبير والدعم لشعوب ضاقت بحجب حقوقها، وكأن قطر بسماحة ثقافتها ورسوخ مبادئها ألهمت الجماهير الزاحفة لتمارس قناعاتها في التعبير عن رفض المجاملة الدبلوماسية لصالح انتهاك العدالة المنشودة بحق الفلسطينيين عبر ظاهرة رفض التواصل مع الإعلاميين الإسرائيليين والذين مكنوا من التواجد تبعا لأممية الحدث، لكنهم لم يتمكنوا من استقطاب القبول في الترحال بين ضمائر الفرحين في الدوحة، ولم يمتلكوا القدرة على الإقناع لاستضافة الرافضين لمجاملة واجهات إعلامية لا يثقون بأن مهنيتها ستتغلب على انتمائها لنظام ما زال ينتهك أرض وحرية شعب كان من أول الشعوب التي حلت بها الكرة اليافعة ضيفة في العام 1908، وتشكل اتحاد كرة القدم الفلسطيني في العام 1926، هو رفض لم يرتبط فقط بهوية أحد أشكال الإعلام لآخر الاحتلالات على الأرض، بل استشعار إثارة بعض هؤلاء الإعلاميين لقضية حقوق العمال في قطر والتي حكمت بها جهات أممية ومحايدة تمثلت بالأمم المتحدة حيث أكدوا أن التغيير الكبير حقق ومنذ 2017، واستكملت الاستحقاقات والمعايير وبمنهجية متابعة من قبل مسؤولي الفيفا ورموز ورواد الفن والرياضة، حيث أكدوا وبكل شفافية على تحقيق المؤشرات المنظورة من قطر في هذا الملف، واجهت جماهير الرياضة السياسة والمتسللة عبر أصوات الفرح في شوارع الدوحة بأن التعايش والقبول على حساب جراح الأطفال والشباب المستنزف في فلسطين لن يكون تحت غطاء خادع لعدم المهنية الإعلامية مزدوجة المعايير، لأن الدوحة نثرت عبق الحرية والكرامة الإنسانية، ورحبت بكل من جاءها شغوفا وحل بها محبا مستلهما من زلزال الأرض تحت أقدام فرس خيال قطر الذي عَبَرَ الأثير، وصعد نحو أعظم المنصات ليطلق شعلة عربية صنعت الفرح للعالميـــــــــة. ولابد من الإشارة هنا لمشهد الاستخدام الغير مقبول لأحد رموز السيادة نحو قضية لا ترقى لاعتبارها حرية أو ظاهرة تفرض لتقبل حين صمتت حناجر لاعبي الماكينة الألمانية ولم يرددوا سلامهم الوطني، متناسين للحظة غير حكيمة ذلك الإرث العظيم لكرة القدم في أمتهم، وان حرية التعبير لا تمارس بمس حرية الدولة المستضيفة، وأنظمة المنظومة المسؤولة عن الرفض أو القبول لأي تعارض أو إساءة لمبادئ الأمم وثقافتها، ولا تذهب لحد التطرف نحو إرضاء قلة هائمة في هذا العالم لديها قضية لم يكن البساط الأخضر مكان مناقشتها. مشهد لم يكن يليق بالساحرة المستديرة الموشحة بالعلم الألمانـــــــــي. مشاهد وصور تجوب بين دلالات السياسة ومؤشرات الأهداف السبعة عشر للأمم المتحدة والتي أقرتها في عام 2015 لبلوغ عام 2030 عبر الرياضة، فهو إقرار أممي بأن الرياضة والسياسة كما الرياضة وأي نشاط إنساني تربطهم علاقة فِطرية وتجعلها جزءا من تكاملية مشهد الظواهر الاجتماعية وحدة بناء المجتمعات، فهي ليست مجرد لعبة، وهو ليس مجرد مونديال، بل هما صورة حقيقية لتداخل الأدوات والغايات لبلوغ الهدف عالم واحد وحلم واحد في ضوء العدالة والمساواة والتمكين وتحقيق الفرص، فجاء مونديال 2022 ليصنع تاريخه في قلوب وعقول المليارات، ويجعلهم متشوقين لمعرفة الحضارة العربية والإسلامية والتواصل معها عبر أدواتها الثقافية المتعددة، واتسعت ملاعبه الثمانية وبساطها الأخضر ليكون منصة تسرد فيه الأمم أحلام شعوبها، ومورست به السياسة دون تحفظ للتعبير عن مواقف تقتضي الدعم والتأييد لحقوق الإنسان فكان العلم والنشيد الوطني رموزا للإصرار والافتخار، تستحق الصراخ بها لا الصمت، وتستحق دموع الدون وملوك الكرة حين تصمت الأمم لتسمع صوت بلادهـــــــــــم. إنها الرياضة المرآة النقية للسياسة والأداة المؤثرة لبلوغ أهداف الإنسانية الخيّرة، وهي السياسة التي لن تنفصل عن الرياضة وأحد محركاتها، فإن كان للأوطان حدودا، فالرياضة هي العابرة لبلوغ الالتقاء على أنغام سلام وطني يغنى بالقلوب والعقول وتستثمر رمزيته لخير الأمم. الرياضة والسياسة وجهان لغاية واحدة هي العدالة.