لا يختلف اثنان على أن تراجع أسعار النفط العالمية منذ منتصف عام 2014 كان لها تأثير مباشر على الاقتصادات العربية التي تعتمد على هذه السلعة. فالنفط ما زال يشكل إيراداته المصدر الأساسي للدخل والإنفاق في عدة دول عربية، وخاصة الخليجية منها. وبالتالي فإن التراجع الكبير للأسعار من 130 دولارا للبرميل إلى المستويات الحالية للأسعار التي تتراوح ما بين 40 إلى 45 دولارا للبرميل يؤثر بشكل كبير على التوازنات الاقتصادية الكلية للدول العربية المُصدرة للنفط. ووفقا لبيانات صندوق النقد العربي فإن استمرار تأثر الاقتصادات العربية قائم بتراجع أسعار النفط التي انخفضت عام 2015 بنسبة 49%، وكذلك نتيجة لبطء تعافي النشاط الاقتصادي العالمي والتجارة الدولية وانخفاض أسعار السلع الأساسية خلال نفس العام. كما أن تأثر عدد من الدول العربية خلال عام 2015 بالتطورات الداخلية التي لا زالت قائمة خاصة في سوريا، واليمن، وليبيا. وقد نتج عن الصراعات الداخلية في بعض الدول العربية الأخرى فقدانها للدخل السياحي الذي يشكّل أحد مصادر الإيرادات الرئيسية لها بسبب التطرف والإرهاب العالمي. ورغم ذلك تواصل الدول المتضررة بمواجهة التطورات باللجوء إلى الإبقاء على الإنفاق العام عند مستويات داعمة للنمو كما حصل في دول المجلس، في الوقت الذي لجأت بعض تلك الدول إلى زيادة كميات الإنتاج النفطي للتخفيف من أثر تراجع أسعار النفط على توازناتها الاقتصادية الداخلية والخارجية، بينما توجهت دول عربية أخرى إلى السحب من الاحتياطي والاستدانة من الخارج لمواجهة الصعوبات المالية الناجمة عن استمرار تراجع أسعار النفط العالمية. وفي الوقت الذي تستمر فيه الدول العربية النفطية احتواء هذه الأزمة، نجد أن بعضها استفاد من هذه التطورات النفطية للعام الثاني على التوالي، خاصة المستوردة للنفط، وتمكنت من إجراء بعض التحسن التدريجي لأوضاعها الداخلية، الأمر الذي نتج عنه دعم لمستويات الاستهلاك والاستثمار لديها، وتمكنت من إجراء مزيد من الإصلاحات الاقتصادية التي شرعت في تبنيها منذ عام 2011، الأمر الذي يزيد من التعافي لاقتصاداتها، وإعادة التوازن لها في إطار سياساتها الرامية إلى دعم النمو الاقتصادي وتحقيق الانضباط المالي. ويبدو من البيانات المالية بأن جميع الدول العربية بحاجة إلى إجراء المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والمضي قدما في هذا الاتجاه ليكون دافعاً جديا للنمو الذي تتطلع إليه كل منها، مع ضرورة الاستمرار في إجراء الاصلاحات وزيادة الطاقة الانتاجية لمؤسساتها وتعزيز سبل الرقابة والتنافسية والشفافية، مع الاهتمام بالقطاع التعليمي والمعرفي والبحث العلمي، ومواكبة التطورات التي يشهدها الاقتصادي العالمي. فالمؤشرات توحي إلى وجود تحديات سوف يواجهها الاقتصاد العالمي خلال العامين القادمين، بينما يبقى التحدي الأكبر للنمو العالمي هو أداء الاقتصادات الناشئة والنامية في ظل انخفاض التجارة العالمية، وانخفاض تدفقات رؤوس الأموال إليها. وتتجه الأنظار اليوم تحديداً إلى الاقتصاد الصيني الذي يمر بفترة من التحول الهيكلي، خاصة وأنه شكل أحد الاسباب الرئيسية في تراجع أسعار النفط العالمية، بجانب الهند التي من المتوقع لها أن تواصل أداءها الاقتصادي الإيجابي على خلفية الاصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومتها خلال الفترة الماضية. لقد تمكنت الدول النفطية العربية وفي ظل انخفاض أسعار النفط العالمية من مواصلة التحديات الناجمة عن هذا التراجع حتى اليوم، إلا أن استمرار الانخفاض- بلا شك - ينعكس على إيرادات الموازنات وزيادة العجز السنوي، الأمر الذي يتطلب إيجاد المزيد من التعاون والتكاتف والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكل أفراد المجتمعات لإنجاح الخطط والبرامج التي يمكن أن تعود إيجابيا على الاقتصادات العربية، والسير بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإسراع من تنفيذ البرامج التي تؤدي إلى التنويع الاقتصادي.