لا شك أن التحديات التي يواجهها الجنس البشري في المستقبل القريب هي تحديات ذات أبعاد خاصة، بمعنى أنها مختلفة برأيي عن التحديات التي كانت قائمة في الماضي، الأمر الذي يحتم علينا كبشر برأي الضمير الجمعي، وكنخب مثقفة، وكأصحاب قرار، الوقوف وتحليل مجمل التحديات القادمة. والتي أستطيع أن أجزم بأنها تحديات تتعلق بالنمط التعليمي المتغير بسرعة كبيرة بسبب سرعة تغير المعطيات التنموية والإنتاجية، وفي هذا الطرح لا أقصد بالتحدي الجديد فكرة التعليم بحد ذاتها ولكن ما أقصده أن وتيرة التغير السريعة جعلت من الصعب توجيه دفة التعليم بشكل إستراتيجي، ذلك أن القدرة على التنبؤ باتجاهات ونوعية الطلب في المستقبل أصبحت أقل. تعليم اليوم أساس تنمية الغد وهنا يظهر مفهوم التنمية الشاملة وعلاقتها بالتعليم التكاملي، بمعنى أن يكون التعليم المستقبلي مرتبطا بخطط التنمية المستدامة على مستوى التطوير الاجتماعي الذي يعنى بنشر وترسيخ المفاهيم المجتمعية المتوازنة والمتوافقة مع المرحلة القادمة، لأن ذلك بدوره يقود بشكل تكاملي إلى التنمية الثقافية من خلال بناء منظومة ثقافية علمية قادرة على التجاوب مع التغيرات المستقبلية والتفاهم معها. عند التدرج والتسلسل السليم في بناء ما سبق تأتي التنمية الاقتصادية المستدامة كنتيجة طبيعية لوجود أفراد مؤهلين نفسيا وأكاديميا وعمليا لمواكبة التغيرات وتوجيه الإنتاج من خلال مرونة العملية الإدارية حسب توجه الطلب. وأشير هنا إلى عقد الأمم المتحدة للتعليم من أجل التنمية المستدامة (2005-2014)، الذي تقوم اليونسكو فيه بدور الوكالة الرائدة، وإلى إدماج مبادئ التنمية المستدامة وقيمها وممارساتها في جميع جوانب التعليم والتعلّم بهدف معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين. أما التنمية المستدامة كما جاءت في تعريف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فهي تلبية احتياجات الحاضر دون إهمال احتياجات الأجيال القادمة. والتنمية المستدامة رؤية للتنمية تنطوي على احترام كل أشكال الحياة - البشرية وغير البشرية - والموارد الطبيعية، فضلاً عن مراعاة شواغل أخرى مثل الحد من الفقر والمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان والتعليم للجميع والصحة والأمن البشري والحوار الفكري. وحيث إنني أجد أن التنمية المستدامة، كما ذكرت آنفا، هدف نبيل يتفق عليه الجميع، إلا أنني أجد تعارضا واضحا بين تلبية احتياجات الحاضر واحترام أشكال الحياة والموارد الطبيعية، لأن متطلبات الحاضر في السنوات القليلة الماضية بالنسبة للزيادة المطردة في الطلب الصناعي وتغير نوعية الطلب المستمرة أدت إلى عدم احترام واستنزاف الموارد الطبيعية بشكل جائر، مما يتنافى مع مبادئ التنمية المستدامة والتي ذكرتها منظمة الأمم المتحدة، وهذا يعيدني إلى نقطة البداية والتي أؤمن بها بشدة وهي تطويع التعليم وتطوير البحث العلمي لتلبية متطلبات الإنتاج المعاصرة دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.. وللحديث هنا بقية.