سنغافورة.. الصعود من الفقر إلى الغنى (1-2)

سنغافورة جزيرة تبلغ مساحتها حوالي 700 كيلو متر مربع وعدد سكانها يقارب الخمسة ملايين نسمة، تقع هذه الجزيرة الصغيرة إلى الشرق من جزيرة سومطرة في جنوب شرق آسيا. وقبل خمسين عامًا، كانت سنغافورة بلدًا «متخلفًا»، يرزح سكَّانه في فقر مدقع، مع مستويات عالية من البطالة، إذ كان يعيش 70% من شعبها بأوضاع غاية في السوء، وكان ثلث شعبها يفترشون الأرض في أحياء فقيرة. وبلغ معدل البطالة 14%، وكان الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد أقل من 320 دولارا أمريكيا، وكان نصف السكان من الأميين. واليوم تعد تجربة سنغافورة من التجارب الاقتصادية المميزة على الرغم من أنها الأصغر مساحة في جنوب شرق آسيا، ولا تمتلك موارد طبيعية على الإطلاق، إلا أن إرادة هذه الدولة حولت هذه الجزيرة خلال أربعين عامًا من جزيرة تتسم بكل خصائص الفقر والتخلف، إلى أن أصبحت من الدول الأغنى في العالم، ووصل احتياطي العملة الصعبة إلى أكثر من 170 مليار دولار، ويعتبر دخل الفرد أحد أعلى الدخول في العالم. لم تحصل سنغافورة على استقلالها من الاستعمار البريطاني الذي استعادها بدوره من الاحتلال الياباني إلا في سنة 1965، حيث شكلت أول حكومة للجمهورية، لتجد دولة سنغافورة نفسها بدون تاريخ وبدون هوية وطنية، وتواجه الفقر والأمية وقلة الموارد مع غياب البنى التحتية والمؤسسات والجيش الذي سيحميها من بيئة معادية تحيط بها آنذاك، وفوق كل ذلك مشكلة توفيق نسيجها الاجتماعي الذي يحفل بالتناقضات. في ظل هذا الوضع برز «لي كوان يو» كأول رئيس وزراء لسنغافورة، والذي يعده الكثير مهندس النهضة السنغافورية، قام بمعية فريق من النخبة السياسية بشق طريق التنمية والتقدم، من خلال الاعتماد على الثروة البشرية أساساً والاستثمار فيها، وتفضيل ذوي الكفاءات، وهو المبدأ الذي ما زال راسخاً حتى الآن في سنغافورة، يقول رئيس وزراء سنغافورة وهو يشرح نهضة بلاده: «أعتقد أننا ركزنا بشكل كبير على الحفاظ على نزاهة نظامنا فنحن نتعامل بصرامة مع الفساد كما نركز بشكل كبير أيضاً على الأكفاء في تشغيل النظام مما يجعل القيادة فاعلة وقادرة على الإبداع، والترقيات من نصيب الأفضل، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب». وتمثل رحلة الصعود المذهلة لسنغافورة واحدة من معجزات القرن الماضي. فعند استقلال سنغافورة في منتصف الستينيات كانت عائدات القاعدة العسكرية البريطانية تمثل ثلاثة أرباع دخلها القومي مما عزز التشاؤم حول قدرة الدولة الصغيرة على النمو بمفردها والدخول إلى مصاف الدول المعترف بها. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه دوما هو: كيف استطاعت سنغافورة تحقيق كل هذه الإنجازات؟ وكيف ضمنت هذه الدولة الاستمرارية في عالم متقلب وفي واحدة من أسخن مناطق العالم سياسياً وأكثرها تقلباً من الناحية الاقتصادية؟ وإجابات تلك الأسئلة هي موضوع لقائنا معكم هنا في الأسبوع القادم، فإلى أن نلتقي، لكم تحياتي.