تخوُفَات دولية ومعاناة اقتصادية، ارتفاع في الأسعار، ترقب وانتظار لأخبار الربع الثاني على مستوى الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصادات العالم وغيره من المؤشرات والتي قد ترسم جميعها ودون أن تدري معالم إعلان رسمي لدخول الولايات المتحدة الأمريكية رسميا في حالة من الركود، من الناحية النظرية ووِفقا لبعض الاقتصاديِّين فان تكرار تحقيق انخفاض مُعتدِل ومُستمِر في الناتج المحلي الإجمالي للأسواق لربعين متتاليين أي لمدة ستة أشهر متتالية يعني وبِلُغة العلم الجامدة دخول اقتصاد هذه البلاد في حالة من الركود وذلك بافتراض بقاء الظروف الأخرى على حالها، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن بيانات الربع الأول من العام الحالي كانت قد أظهرت انخفاضا أو انكماشا مُفاجئا في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 1.4% (وهنا نقول مُفاجِئا لأنه حصل بعد سِلسِلة من توقعات المُحلِلين بتحقيق نمو بنسبة 1.1% بل والأكثر من ذلك سوءا كان أن هذا الانخفاض أتى بعد تحقيق نمو بنسبة 6.9% في الربع الرابع من العام 2021) وهو ما قد يعني أن حدوث أي انخفاض جديد خلال هذا الربع قد يأخذنا ودون أدنى نقاش لتلك الفزّاعة التي نُطلِق عليها اسم الركود وهي الحالة التي تسبِقُ وفي كثير من الأحيان حالة الانخفاضات القوية في أسواق المال والمنتجات. بالنسبة لصندوق النقد الدولي فان إعلان دخول اقتصاد أي دولة في حالة الركود يتطلب دراسة وتحليل العديد من المؤشرات والتي منها وعلى سبيل المثال لا الحصر أرقام الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة ومتوسط نصيب الفرد المحلي الإجمالي وكذلك تدفقات رؤوس المال واستهلاك الطاقة وغيرها الكثير والكثير، وهو ما يأخذنا إلى السؤال المهم، فما هو الركود وما الفرق بينه وبين الانكماش والكساد؟ وما هي أهم تأثيراته ونتائجه على أسواق المال؟ والأهم من ذلك هو كيف نحتاط منه كمستثمرين في عالم الأسهم والأسواق المالية؟ أولا ومن الناحية العامة فإن جميع المصطلحات السابقة وهي الانكماش، الركود والكساد تعني انخفاضا في عدة مؤشرات اقتصادية يأتي على رأسها الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات العمل والإنتاج وكذلك استهلاك الطاقة والقدرة الشرائية وهو ما يجعل الطلب عند أدنى مستوياته بحيث يُصبح بيع المُنتجات مُهِمة صعبة قد لا تقوى مُعظم الشركات على تحقيقها وهو ما يُحوِّلها إلى منظمات تواجه وبشكل يومي شبح الإفلاس وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفرق الجوهري بين كل ما سبق هو في المدة التي تستمر بها حالة الانخفاض السابقة فان كانت لمدة واحدة او لمدة اقل من ستة أشهر فإننا نُطلِق عليها اسم انكماش، فإذا استمرت لفترة أكثر من ستة أشهر تصبح ركودا وإن طالت وطال أمدُها لفترات طويلة تحولت لكساد وهي الحالة التي حدثت في عالمنا هذا ما بين عام 1929 وعام 1933 لتُعرف فيما بعد باسم "الكساد الكبير". أما بالحديث عن أهم تأثيرات الركود الاقتصادي على أسواق المال فإنه يُمكن تلخيصها بما يلي: انخفاض قيمة مُعظم المُنتجات في العالم وهو الأمر الذي يؤدي مباشرة إلى انخفاض قيمة الكثير من الأدوات الاستثمارية مثل الأسهم والتي تُعتبر بحد ذاتها سلعا او منتجات استثمارية ومالية تخضع لقوانين السوق والعرض والطلب. ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين وتراجع الطلب بشكل كبير على كثير من المنتجات وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع المبيعات والإيرادات للشركات وهو ما يُساعد لاحقا على تراجع الأرباح الصافية للقطاعات بل وحتى أنه قد يتسبب في تحقيق خسائر صافية لها. فقدان الشهية الاستثمارية ودخول المستثمرين في حالة من التقوقع الاقتصادي والمالي والذي يجعل من انفتاح أي فرد على فُرص استثمارية جديدة هو حالة مُخاطرة كبيرة قد تتسبب في تحقيق خسائر نظرا لارتفاع معدلات المخاطرة الاستثمارية وهو ما يساعد في نشر حالة من الذعر تجعل من محافظة أي شخص على رأس ماله وبشكل نقدي إنجازا وانتصارا يجهد لتحقيقه الكثيرون. وهنا ننتقل مباشرة إلى أهم ما يجب فعله في أسواق المال لمواجهة هذه الحالات حيث إنه يُمكِن تلخيصها بما يلي: أولا تسييل الاستثمارات وتحويلها الى نقد لإعادة استثمارها مرة أخرى بعد انتهاء موجة الضغط وبالتالي اتضاح الرؤية العامة للاقتصاد وهو إجراء مهم غالبا ما لا يستطيع الكثير من المستثمرين القيام به في الوقت المناسب فهو عمل يتطلب متابعة ودراسة صحيحة للأسواق ولذلك فإنه غالبا ما يكون غير قابل للتطبيق لدى معظم المتداولين خاصة لمن فاتهم الوقت المُناسب للبيع وبالتالي تحولوا لمستثمرين طويلي الأمد وهنا تظهر وبشكل واضح أهمية تطبيق مبدأ "تحديد سعر وقف الخسائر" وهو السعر الذي يجب أن يقوم المستثمر مباشرة وبشكل أوتوماتيكي بالبيع عنده وذلك في حالة انخفاض الأسواق والأسعار بشكل مفاجئ، وهو وان كان إجراء يُحوِّل الخسائر من أرقام دفترية الى خسائر حقيقية إلا أنه أيضا عملية أساسية تحمي المستثمر من الوقوع في حفرة أكبر من الخسائر والضغوط البيعية وبالتالي الانجرار لخسائر أكبر بكثير مما قد يستطيع تحمله. ثانيا وهو غالبا ما أنصح به بشكل شخصي، اختيار الوقت والسعر المناسب للأسهم للقيام بضخ سيولة جديدة بهدف شراء أسهم الشركات الجيدة والنظيفة وبالتالي بناء مراكز مالية جديدة طويلة الأجل وذلك بهدف تحقيق معدلات ربح استثماري ورأسمالي مرتفعة على المدى المتوسط والطويل خاصة إذا ما كان الشراء في المناطق الصحيحة وهنا يجب الإشارة إلى أهمية مراجعة التحليل الفني والأساسي والأوضاع والظروف العالمية قبل شراء أو بيع أي من الأسهم. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فان الركود هو حالة مؤقتة من الانخفاض تؤثر وبشكل مباشر على كثير من الاستثمارات والأدوات المالية وهو ما يجعل منها فرصة حقيقية لمراجعة الخطط الاستثمارية والأُسس التي يتم بناء عليها أخذ أي قرار استثماري يقوم على المفاضلة بين البدائل وهو ما يجعل عملية اتخاذ القرار نفسها عملية مُتغيرة وقبالة للتطور والتحسين بشكل دائم، وهنا يكمن جوهر الاستثمار الحقيقي فالشركة التي تبدو اليوم في أفضل مراكز جذب المستثمرين قد تصبح غدا شركة بلا أي حافز استثماري والشركة التي كانت تحقق خسائر في الأمس قد تصبح غدا من أفضل الشركات ربحية، فعملية الاستثمار إذن عملية دائمة من التفكير واتخاذ القرار تقوم على المفاضلة بين ثلاثة قرارات وهي البيع أو الشراء أو الاحتفاظ، وهنا أتذكر مقولة رجل الأعمال الشهير "وارن بافيت" حين قال "الفرق بين الشخص الناجح والشخص العادي هو أن الأول تعلم أن يقول (لا) في الوقت المناسب".