وجد المبدعون والهواة ومن لديهم الشغف والطموح والحس الفني الذي يشمل الشعر والكتابة والرسم والنحت والموسيقى والتمثيل...الخ في "الثورة الرقمية" فضاء واسعا لنشر وعرض وطرح ما يبرعون فيه في جميع هذه الحقول الثقافية، وأصبح بإمكانهم عبر الشبكات والمواقع والمحركات والبرامج ووسائل التواصل المتعددة أن يتواصلوا مع جمهورهم ومتابعيهم وأن يستفيدوا من ملاحظاتهم وآرائهم وأن يقيموا علاقات ثقافية مشتركة تعبر عن التوجهات المشتركة في الهوايات والأفكار والإبداع، فلا غرو إذن أن تخلق "الثورة الرقمية" ثورة ثقافية تدفقت منتجاتها في هذا الفضاء التكنولوجي الواسع. فعالم "المدونات يحمل في طياته إذن بذور كل الاستعمالات التي سنجدها مستقبلا متفاقمة داخل الشبكات الاجتماعية.. "في تواصل لا يتوقف "عن نسج روابط مع الآخرين.."، وأصبح حتى "الشخص العادي، المنقاد بالفضول والشغف، يشعر بأهميته، بفضل الوسائل المعلوماتية التي أصبحت في متناول أكبر عدد من الناس، لإجراء التجارب التي تتفاوت درجة نجاحها، وتنفيذ أعمال تتعلق بتعديل الصوت أو الصورة، وإعادة صياغة أو كتابة النصوص.."، ومن جانب آخر وبفضل هذه "الثورة التقنية "أصبح ممكنا الوصول في وقت قصير جدا إلى حجم هائل من الوثائق والمؤلفات المصورة، والمسجلة"، وقدمت التكنولوجيات الحديثة الفرصة "لكل قارئ إمكانية أن يصبح بدوره كاتبا ومنتجا للنصوص، وأن ينشرها مباشرة وبالمجان عن بعد دون المرور عبر مصفاة كيفما كان نوعها، وأن يتوجه، لو أراد ذلك، نحو المتصفحين من أجل النقاش معهم بخصوص عمله الإبداعي. فالمضامين المكتوبة والنصوص المنشورة من طرف الهواة تتضاعف بأشكال مختلفة بفضل الوسائط الجديدة الثابتة والمنقولة..". وكون أن لكل تطور ضريبة ولكل تحول في المفاهيم والقيم والأنماط إيجابيات وسلبيات، مضار ومنافع فلـ"الثورة الرقمية" انعكاسات على الثقافة والإبداع منها على سبيل المثال تراجع الجودة ف"الرموز الجديدة أو الأشكال" الحديثة "في الكتابة مثل الرسائل القصيرة أو التغريدات التي تترجم بكتابة عامية وفونيمية مكونة من اختصارات وكلمات جديدة..."قد تعتبر "علامة افقار للغة غير قابلة للعلاج، وتدميرا للبناء للغوي..". ثانيا: إضعافا لسوق الكتب ممثلة في دور النشر والمكتبات والمطابع.. ما يعني خسارة سوق مهم في عالم التجارة. وأخيرا فإن "القراءة على الشاشة تزعزع الذاكرة، وتحرمنا بعض المعايير التي تأتي بها عادة الصفحة الورقية...". يختم "ريمي ريفيل" دراسته القيمة بالتأكيد - في ملخص يقدم لمحتوى كتابه - على أن "التكنولوجيات الرقمية، خصوصا في الميدان الثقافي، ليست سوى انعكاس للاستعمال الذي يقوم به المرء، ولا يمكن أن تحلل بمعزل عن الفاعلين الذين يمتلكونها. ومن المؤكد أنها لم تضع حدا لعدم المساواة فيما يتعلق بالاستعمال، ولم تخف سوء التفاهم بين البشر، ولم تقلص بتاتا النزاعات. لكنها وسعت بشكل ملموس إطارنا الزمكاني، ووفرت لنا ولوجا غير محدود إلى المعارف، ورفعت من قدرتنا على التبادل والمشاركة؛ فهي تحاول إذن - بشكل ما - تغيير تصورنا للعالم. وبعيدا عن كل القيود، فإن عالم التكنولوجيا الرقمية يشكل وسيلة للتحرر والهيمنة في الوقت نفسه، وفي كل الأحوال فإنه لا يزال في الوقت الراهن وعدا وتحديا". كنت قد تمنيت لو أنه قدم قراءة تعرض لتأثيرات "الثورة الرقمية" على ازدهار أو انكماش السوق الثقافي لتكون الدراسة أكثر شمولية واكتمالا.