مع تداخل اقتصاديات الدول ومع ارتفاع معدلات التبادل التجاري وبالتالي العلاقات التجارية والمالية بين الشركات المحلية والخارجية، ونظرا لحالات عدم الاستقرار التي قد تواجه عملات بعض الدول، اتجه كثير من التجار إلى تحديد أسعار منتجاته المصدرة للخارج بالعملة المحلية، وذلك بهدف تفادي أي تذبذب قد تتعرض له أسعار عملات الدول المستوردة عند استحقاق الدفع، هذا بدوره خلق حاجة لدى المستوردين لشراء عملات الدولة المصدرة بهدف سداد ثمن المنتجات المستوردة، وهنا كان لابد من تحديد القيمة المتبادلة بين هذه العملات (عملة البائع بالدولة المصدرة وعملة المشتري بالدولة المستوردة) وهو ما يسمي بسعر الصرف، وبالتالي فإن سعر الصرف هو سعر بيع وشراء عملة وطنية لدولة ما مقابل عملة وطنية لدولة أخرى، أي أنه عدد الوحدات المطلوب دفعها من عملة معينة للحصول على وحدة نقدية من عملة دولة أخرى. وعلى الرغم من بساطة تعريف سعر الصرف والذي يعني «عملية استبدال عملة بعملة أخرى»، إلا أن آثاره كبيرة جدا على الاقتصاديات، فتغير سعر الصرف ارتفاعا أو هبوطا وبدون تخطيط وتوجيه من الدول والحكومات، قد يفتح الباب أمام مضاربات كبيرة وبالتالي مدى تذبذب كبير وهو ما قد يسبب خسائر كبيرة للتجار والاقتصاد على حد سواء. وبما أن العملات كغيرها من السلع والخدمات تتبع وبشكل أساسي قانون العرض والطلب، فإنه يمكن تحديد أهم مؤثراتها بما يلي: حجم الاحتياطي النقدي واحتياطي الذهب المتوفر بكل دولة والذي يعتبر مؤشرا أساسيا لمدى قدرة الدولة على سداد التزاماتها الداخلية والخارجية. قوة الاقتصاد الوطني لكل دولة وحجم الصادرات والواردات والمتمثل بالميزان التجاري، حيث إن زيادة الصادرات تعني زيادة الطلب على عملة الدولة المصدرة وهو ما يعني ارتفاع سعر العملة، كذلك فإن التحويلات النقدية لأي دولة والناتجة عن زيادة صادراتها تعني زيادة احتياطي النقد الأجنبي لديها وهو ما يضيف قوة لعملتها. سعر الفائدة للإيداعات بالعملة، فارتفاع الفوائد المصرفية على عملة معينة تجعل من الإيداعات البنكية بهذه العملة أكثر ربحية، وهو ما يزيد من الطلب عليها بهدف الاستفادة من فوائدها المرتفعة. الاستقرار الأمني والسياسي للدولة والذي يؤثر بشكل مباشر على حركة النقد الأجنبي منها وإليها، سواء عبر حركة أموال المستثمرين أو عبر التحويلات الخارجية للتجار والمغتربين وحتى السياح. الاستقرار الاقتصادي للدول ومدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية حيث إنه ومن حيث المبدأ، فإن العملة هي التزام مالي على الدولة يحصل حاملها على ما يعادل قيمتها بضمان من الدولة المصدرة لها وبالتالي فإن أي شكوك حول أداء الدولة الاقتصادي قد يؤدي إلى توجه حاملي عملتها لبيعها وهو ما يزيد من العرض وبالتالي يخفض من قيمتها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن البعض قد يتصور أن ارتفاع سعر صرف العملة هو دليل على متانة وقوة الاقتصاد، وبالتأكيد فإن هذا الكلام لا يصح دائما، حيث يوجد العديد من الاقتصاديات القوية وذات سعر الصرف المنخفض، والعكس صحيح أيضا، فمن الممكن أن تقوم دولة ما عمدا بتخفيض سعر صرف عملتها، وذلك لأسباب تتعلق بزيادة النشاط الاقتصادي محليا أو عالميا، حيث إن تخفيض سعر الصرف قد يؤدي إلى جعل منتجات الدولة أرخص نسبياً، وهو ما يزيد من الطلب عليها محليا وخارجيا وهو ما يشجع على زيادة الإنتاج والتوسع، وبالتالي توافر فرص عمل وخفض للبطالة، كذلك قد تنخفض معدلات التضخم وهو ما قد يحقق نموا اقتصاديا غير مسبوق وخاصة للدول الصناعية، نظرا لزيادة صادراتها وبالتالي رفع ميزانها التجاري وزيادة الاحتياطي النقدي لديها. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن سعر الصرف ما هو إلا أداة في أيدي الدول الصناعية، تستخدمها بالرفع حينا وبالتخفيض أحيانا، وذلك في محاولة لخلق ميزة تنافسية تساعدها على رفع معدلات تصدير منتجاتها للخارج، وهو ما قد يكون تأثيره في بعض الأحيان أكثر بكثير من أي دعم حكومي مباشر لشركاتها، بل وحتى أفضل من تحسين جودة السلع نفسها، ولنا بما قامت به الصين دروس وعبر.