عندما يتمعن الإنسان في الأوضاع المالية للعالم، يجد أن الثروات المالية المتوفرة لدى الكثير من الدول تستطيع توفير الغذاء والخدمات لملايين البشر، التي تعاني بعضها اليوم من الفقر والمجاعة والجهل والأمية وغيرها من الخدمات الضرورية للتنمية البشرية، وخاصة في منطقتنا الخليجية التي تتميز بثروات مالية وخيرات متعددة، إلا أن هناك مواطنين خليجيين في بعض الدول ما زالوا يعيشون في فقر مدقع ويسكنون في بيوت مبنية من سعف النخيل والشينكو، ويعانون من مشاكل يومية في توفير المياه والكهرباء. وهذه القضايا غير مخفية على الناس، في الوقت الذي تتجمع فيه الثروات في أيدي البعض، وتتجه لتعزيز أرصدة الصناديق السيادية وغير السيادية التي أصبحت بعض أموالها تُصرف في تمويل الحروب والصراعات الجانبية بدلا من تعزيز مظاهر التنمية التي تحتاج إليها شعوب المنطقة. فثروات المنطقة هائلة بالرغم من تراجع أسعار النفط العالمية حاليا. ووفقا للتقارير الصادرة عن المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية، فقد تزايدت أصول صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال، من حوالي 1425 مليار دولار عام 2010 إلى حوالي 2520 مليار دولار عام 2014، أي بنسبة زيادة قدرها 77%. ويتفاوت حجم الأصول المالية لاستثمارات صناديق الثروة السيادية في دول المجلس، حيث تأتي دولة الإمارات في المرتبة الأولى بإجمالي أصول بلغت حوالي 934.2 مليار دولار وبنسبة 37% من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية الخليجية، تليها السعودية في المرتبة الثانية بحوالي 752.2 مليار دولار وبنسبة 30%، ثم الكويت بنحو 548 مليار دولار وبنسبة 21.7% ثم الصناديق الخليجية الأخرى في المنطقة. والبعض يرى أن أموال هذه الصناديق ليست في مأمن في جميع الأحوال، خاصة وأن معظمها مستثمرة في قارة أمريكا الشمالية والأوروبية. ولو تم استثمار 5% منها في مشاريع حيوية في دول المجلس لاستطاعت دول المنطقة تشغيل آلاف الشباب الخليجيين الذين يبحثون عن فرص العمل في دولهم، ولكانت المنطقة اليوم قبلة للمشاريع الاقتصادية المنتجة في الكثير من القطاعات التي يمكن من خلالها تنويع مصادر الدخل القومي التي ترتكز عليها الدراسات الاقتصادية. ولكن للأسف تتجه معظم هذه الأموال إلى القطاع المالي ومشتقاته الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات، سواء في الأسهم أو السندات أو غيرها، بجانب الاستثمار في الأصول العقارية التي شهدت الكثير من الأزمات خلال السنوات الماضية وفي دول تستطيع تجميد هذه الأصول وقيمها المالية في أي لحظة، شئنا أم أبينا. فقرار تحويل هذه الأرصدة المالية في أيدينا، ولكن قرار إرجاعها في أي لحظة هو في أيدي الذين يحكمون في هذه الثروات عالميا، وهم نفس الأشخاص الذين يتحكمون في وسائل الإعلام العالمية أيضا. ومن خلال هذا الواقع المؤلم للثروات الخليجية، فإن الصناديق السيادية الخليجية يمكن أن تلعب دورا أكبر في المنطقة إذا ما اتجهت بعض أموالها داخل الدول الخليجية نفسها في مشاريع تنموية تخدم الأجيال المقبلة، بجانب بعض العوائد المالية التي تحصل عليها دولنا من استثمار تلك الأموال خارج المنطقة للأجيال المقبلة، أي يجب أن يكون هناك توازن في هذا الأمر، بحيث تعطى الأولوية للاستثمار في نفس البلد أولا بجانب التوجه نحو الخارج ثانيا. وهذه السياسة ستؤدي إلى تعزيز أوجه التنمية التي تحتاح إليها المنطقة من خلال إنشاء مشاريع مجدية في قطاعات الزراعة والأسماك والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية وغيرها من جهة، وتوفير مزيد من فرص العمل للباحثين في المنطقة من جهة أخرى، خاصة أن قضايا التوظيف أصحبت اليوم تؤرق مضجع الحكومات والمسؤولين عن مؤسسات العمل في المنطقة. وبذلك يمكن أن نقدم الكثير للأجيال الحالية مع الاحتفاظ بالثروة النقدية للأجيال المقبلة أيضا. ويرى بعض الخبراء في هذا الشأن، أن تبني دول مجلس التعاون الخليجي كافة لمنهج الاستدامة الاقتصادية كمسار لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام للحد من الاعتماد على النفط والحفاظ على الثروة للأجيال القادمة، يستدعي تبني إستراتيجية خليجية موحدة لصناديق الثروة السيادية من خلال وضع سياسات استثمارية تعمل على التوظيف الإيجابي للفوائض النفطية بما يحقق الحماية لاقتصادات دول المجلس في حال تراجع أسعار النفط كما هو حاصل الآن، ودراسة المخاطر التي تصاحب عمليات استثمار هذه الصناديق في الخارج والاستفادة من دروس الأزمة المالية العالمية، التي تكبدت خلالها صناديق الثروة السيادية الخليجية خسائر كبيرة من خلال تنويع الاستثمار، بحيث يتم استثمار هذه الأصول في صناديق بسيطة ومتوازنة نسبيا وطويلة الأمد.