تأثيرات انخفاض النفط على العملات الخليجية

استقرار عملة أي بلد من بلدان العالم وحفاظها على قوتها الشرائية يعبر، دون شك، عن قوة اقتصاد هذا البلد وحجم الاحتياطيات الكبيرة التي يمتلكها ممثلة في الودائع والسندات من العملة الأجنبية التي تحتفظ بها المصارف المركزية والسلطات النقدية، إلى جانب الصناديق الحكومية الأخرى، والمعروفة أيضا باسم صناديق الثروة السيادية. واعتماد اقتصاد بلد ما على سلعة واحدة يعرضه لمخاطر كثيرة، ليس أقلها الضغط على العملة المحلية نتيجة تراجع السيولة النقدية والاضطرار للسحب من الودائع وانكماشها التدريجي، وهو ما يحدث مع معظم الدول المعتمد اقتصادها على النفط بسبب التراجع الحاد في أسواقه ومن بينها دول الخليج بالطبع التي تمكنت حتى الآن من الحفاظ على استقرار قيمة عملاتها ويعود ذلك أولا إلى: ما تمتلكه من صناديق سيادية استثمارية قوية تأسست ونمت بفضل الفوائض من العائدات النفطية عندما كانت أسعاره مرتفعة، حيث تبلغ هذه المدخرات في العديد من دول مجلس التعاون (أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي). ولنجاح بعضها في تحقيق تنوع اقتصادي حقيقي ساهم في رفع الطاقة الإنتاجية للدولة، محققا نموا إيجابيا في تنوع المصادر الاقتصادية وانخفاضا في المقابل في مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي - قطر والإمارات مثالا، ويعود السبب الثاني إلى ربط عملاتها بالدولار – باستثناء الكويت. ومن المفارقات العجيبة يشهد ارتفاع في قيمته للسبب ذاته، ولو قارنا بين دول الخليج العربي واقتصاديات كبرى يعتمد اقتصادها بنسب كبيرة على النفط، فإن هذه القوى قد شهدت تراجعات حادة في قيمة عملاتها، فيما أن دولا أخرى تعتمد بشكل أقل على الصادرات النفطية، مثل كندا والنرويج، شهدت تراجعاً كذلك في قيمة عملاتها بنسب أقل. هذا وقد أكد التحليل الاقتصادي لمجموعة بنك قطر الوطني «كيو إن بي»، أن (ربط سعر الصرف بالدولار الأمريكي هو سياسة مناسبة لدول الخليج العربي، حيث إنها توفر الاستقرار لمعدلات التضخم والنمو). وقال التحليل (إن خمسا من دول المجلس حافظت على ربط عملاتها بالدولار لعقود، فيما ظلت الكويت هي الدولة الوحيدة التي تربط عملتها بسلة من العملات، مبينا أنه حتى في هذه السلة يعتبر الدولار هو الأرجح وزناً). وقد طرح التقرير تساؤلا مهما في هذا الإطار عما (سيحدث لو أن دول المجلس كانت تعتمد على نظام سعر الصرف العائم، مشيرا إلى أنه في مثل هذا السيناريو، كان تراجع أسعار النفط سيؤدي إلى انخفاض في قيمة العملات المحلية)، ما يظهر منافع ربط هذه العملات بالدولار في الحفاظ على قيمتها. وأكد التقرير أن (انخفاض قيمة العملة كان بإمكانه أن يعزز القدرة التنافسية للصادرات ويدفع بعجلة النمو). وفي توضيح أكثر أشار إلى أن (تلك حجة صحيحة بالنسبة لاقتصادات مثل كندا والنرويج، لكنها لا تنطبق على دول المجلس، لأن معظم صادراتها تنحصر في النفط والغاز، اللذين يتم تحديد أسعارهما دولياً وتقويمهما بالدولار). كل تلك الأسباب والتطمينات لا تكفي للحفاظ على قيمة العملات الخليجية واستقرارها في السوقين المحلي والعالمي، فاستمرار أسعار النفط في التراجع أو بقاؤها على ذات القيمة لفترات طويلة سوف ينهك دول الخليج اقتصاديا والتي يعتمد الكثير منها على النفط بنسب تصل إلى أكثر من 80%، وهو ما سيضطر بعضها إلى الاستدانة من البنوك المحلية والدولية، والاستدانة من البنوك المحلية سوف يؤدي في المقابل إلى تراجع السيولة النقدية في البنوك، وهو ما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الفائدة وإلى التضخم وإلى تراجع قدرات البنوك على تقديم القروض والتسهيلات وكل تلك العوامل تمثل ضغوطات حقيقية على العملات الخليجية.