ترامب والفوائد

يعمل المصرف المركزي الأميركي مؤخرا على رفع الفوائد بعد سنوات من الانخفاض قام بها الحكام السابقون وفي مقدمتهم «ألان غرينسبان». واقعا، عمل المصرف المركزي هو ادارة السياسة النقدية أي تحديد شروط الاقراض وحجم الكتلة النقدية وتحديد الفوائد الأساسية لتأمين استقرار الأسعار وتخفيض البطالة. عمله هو رقابة القطاع المصرفي لتأمين السلامة وحماية حقوق المستهلكين والمودعين. عمله هو حماية استقرار النظام المالي ومتابعة المخاطر التي يمكن أن تسبب السقوط. ترامب يعمل في السياسة والانتخابات وحب الفوز، بينما هدف المصرف المركزي هو مالي ونقدي. بقاء الفوائد منخفضة يرفع حظوظ التجديد للرئيس في سنة 2020. بسبب سياسة الفوائد المنخفضة السابقة، تحولت ادخارات المواطنين من الاستثمار في السندات الى شراء الأسهم للاستفادة من العائد المالي المنتظر. شجعت هذه السياسة المواطنين على الاستثمار في البورصات وبالتالي تكبير حجمها. كان يعتقد أن انتاجية الاقتصاد الأميركي مرتفعة وهي لم تنعكس بعد على أسعار الاسهم. اعتقد بعض المسؤولين وفي مقدمتهم الحاكم السابق «ألان غرينسبان» أن من يشتري أسهما سيحقق أرباحا. اعتقدوا أن ارتفاع أسعار الأسهم كان نتيجة ارتفاع الانتاجية وظهور الاقتصاد الجديد، ولا يمكن أن يشكل فقاعة هوائية قابلة للانفجار. كان يعتقد أن نسب التضخم المعلنة هي خاطئة وأعلى من الحقيقة. شكل هذا الجو العام تشجيعا لا مثيل له على الاستثمار في الأسواق المالية بمختلف أشكالها وأدواتها. عادت هذه الأجواء منذ انتخاب ترامب وصعدت المؤشرات، لكنها تسقط اليوم ليس فقط بسبب مشكلة «كارلوس غصن» بل لأنها لا تمثل القيمة الحقيقية للشركات. هنالك دراسات اقتصادية أهمها من «روبرت غوردن» تشير الى أن الانتاجية لم ترتفع في 99% من الاقتصاد الأميركي. هذا يعني أن المبادئ التي بنى عليها غرينسبان سياسة الفوائد المنخفضة لم تكن واقعية بل ربما خاطئة. سقطت الأسواق في التسعينات وتنخفض مجددا اليوم بعد ارتفاع. تخفيض الفوائد شجع على المضاربات للاستفادة من الأسعار المنخفضة للاصول المالية. أسواق خطرة بكل ما في الكلمة من معنى.   كانت سنة 2000 كارثية للمواطنين الذين وظفوا ادخاراتهم في أسواق التكنولوجيا وهنالك خوف من أن تتكرر التجربة اليوم مع انخفاض أسعار الأسهم وخصوصا قيمة شركة «أبل». رفع الفوائد لتخفيف التهور له فوائده منعا للمضاربات وبالتالي الانفجار. يظهر أن التاريخ أعاد نفسه بالرغم من الأوجاع والخسائر. ما هي أهم الدروس التي اقتبسها المصرف المكزي من التجارب السابقة والتي تدفعه الى رفع الفوائد. انخفاض الفوائد خفض سعر صرف الدولار وسبب التضخم. انخفاض الفوائد حول الاستثمارات من الاقتصاد الحقيقي أي الصناعة والزراعة الى البورصات. أحدثت السياسات خللا في هيكلية الاقتصاد الأميركي يشير اليها الرئيس ترامب من وقت لآخر ويدعو الى بناء القطاع الصناعي من جديد. شجعت السياسة النقدية على المخاطرة وبالتالي لم يعد هنالك خوف عند المستثمر. سياسات نقدية متهورة يحاول المصرف المركزي تغييرها بالرغم من معارضة الرئيس. فلتحيا استقلالية المصرف المركزي.