الاتفاق الأخير بين أطراف الصراع في ليبيا على العودة إلى تصدير النفط واقتسام العائدات يعطي ثلاث إشارات أساسية: أن النفط يمكن أن يكون أداة تواصل وتفاهم مثلما هو مصدر للنزاع، وأن هذا الاتفاق تم برعاية روسيا التي تلعب دورا متناميا على الساحة الليبية وفي الشرق الأوسط عموما، مما يعيد تظهير القيمة الإستراتيجية للنفط في مباراة النفوذ الجارية في المنطقة، وأخيرا فهناك التأثير المتوقع للإمدادات الليبية العائدة إلى الأسواق على التوازن الحرج في جانبي العرض والطلب. فالاتفاق تم بين الجنرال خليفة حفتر وأحمد معيتيق نائب رئيس الوزراء في الحكومة المعترف بها دوليا، وكان حفتر يسعى إلى إسقاطها. ومع أن الاتفاق يضع تفاصيل حول الموانئ التي يمكنها العمل وعلى رأسها تجنب العمل في المرافق التي لا يزال للمسلحين الأجانب وجود ملموس فيها، إلا أن الوضع سيتحدد بمعرفة حجم الضرر الذي أصاب المرافق النفطية، وكم من الوقت والموارد تحتاج للإصلاح وهل ستتوفر الميزانيات اللازمة لذلك. لكن تبقى النقطة الأكثر حساسية وهي عائدات المبيعات، إذ اتفق الطرفان على تكوين لجنة مشتركة هي التي تتولى التحصيل والتقسيم، وليس البنك المركزي الليبي الذي كان الجهة الوحيدة المخول لها القيام بهذه العملية. ويتردد كلام عن ترتيبات تساندها الولايات المتحدة وإنشاء حساب منفصل تودع فيه الإيرادات، الأمر الذي يشير إلى تقارب روسي-أمريكي في هذه النقطة تحديدا يعزز ممن الانطباع العام عن موقف إدارة ترامب من التعامل مع حفتر رغم أنها رسميا تساند حكومة السراج، وهو ما يمكن أن يشير إلى خطوة في اتجاه دفع موسكو وواشنطن نحو حل ما للأزمة الليبية المتطاولة. عملية إغلاق منافذ التصدير الرئيسية التي نفذها حفتر هبطت بالصادرات النفطية الليبية بحوالي المليون برميل يوميا إلى أقل من 200 ألف فقط، لكن اتفاق العودة هذا سيضاعف من حجم الصادرات، بل إن جولدمان ساكس لا تستبعد أن يتراوح حجمها بنهاية العام بين نصف مليون إلى مليون برميل يوميا. وهذا ما يقودنا إلى الإشارة الثالثة وتأثير ذلك على ميزان العرض والطلب. فرغم أن ليبيا مستثناة من برنامج الخفض بسبب ظروف الحرب، إلا أنه في الوقت الذي تعيش فيه السوق حالة من تحطم الطلب، فإن عودة هذه الكميات المرشحة للتزايد ستسهم في إضعاف السوق والأسعار الضعيفة أصلا، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن أوبك خففت من برنامجها لخفض الإنتاج مما أدى إلى تدفق مليوني برميل إضافية من الإمدادات. ويبقى السؤال حول انعكاسات ذلك على مستوى المخزون ومدى السحب منه وفوق ذلك كله إذا انطلقت موجة ثانية من فيروس كورونا وكيفية التعامل معها من قبل الاقتصادات العالمية، وهل ستكرر تجربة الإغلاق كما حدث في فصل الربيع خاصة والإشارات من الهند والصين بخصوص الطلب ليست مشجعة.