ولدت نهضة تركيا الاقتصادية من رحم التناغم بين ثلاث متناقضات العلمانية ويمثلها الجيش، والعولمة ويمثلها الاقتصاد، والإسلامية وتمثلها الحكومة، لتنتقل تركيا من دولة فاشلة اقتصاديا في العام 2001، إلى الدولة الاقتصادية الأولى في الشرق الاوسط، والثامنة في اوروبا، والسادسة عشرة في العالم، بعد أن جذبت اليها الاستثمارات الأجنبية المباشرة ذات القيمة المضافة العالية، ما سمح بنهضة اقتصادية كبيرة يعبر عنها الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ في نهاية 2015 حوالي 800 مليار دولار. ولزعزعة تلك النهضة لا بد من دفع المستثمرين لتخفيض استثماراتهم- زاد حجم تلك الاستثمارات عن 165 مليار دولار حتّى نهاية عام 2015 تشكل ما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي – عن طريق إثارة علامات الاستفهام حول سعر صرف العملة، وحركة سوق الاسهم، والاستقرار السياسي، والقطاع المصرفي، والقطاع الخاص، وعجز الموازنة كنموذج للانضباط المالي..إلخ، مما يضغط على تمويل الحساب الجاري، ويفاقم مشكلة ضعف القدرة على التنبؤ بطريقة منظمة، ويؤثر على ديمومة النمو الاقتصادي الذي يتطلب عملة محلية مستقرة؛ وصناعة مصرفية متطورة؛ وتضخما منضبطا (بلغ في حزيران/يونيو2016 حوالي 7.6%)؛ لتحسين معدل دخل الفرد (10500 دولار سنويا)، ومنع تآكل العائدات وزيادة وتيرة الاستهلاك، وليس هناك أفضل من سلاح التصنيف الائتماني للقيام بذلك، حيث تعمد وكالات التصنيف لتقييم تلك العناصر؛ ووضع العلامات ذات الدلالة بشأنها على شكل تصنيفات يفهمها جيدا أصحاب المصالح (Stakeholders ) من مستثمرين، ومؤسسات تمويل، وبنوك، ورجال أعمال. فوكالة موديز، اعتبرت أن الانقلاب الفاشل قد يؤثر سلبياً على النمو بعد تخفيضها للتوقعات بشأنه الى 3%، وإعلانها أن التصنيف الائتماني للديون التركية قيد المراجعة بهدف خفضه، وأنها ستنظر فى التصنيف الائتمانى لتركيا البالغBaa3 وهو أدنى درجة استثمارية، بعد تقييم الاحتياطيات الأجنبية والموازين المالية والخارجية والمخاطر السياسية والتي من المرجح أن تدفع لخفض هذا التصنيف. مؤسسة"ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتمانى وخدمات المستثمرين، سارعت لتخفيض التصنيفات الائتمانية طويلة وقصيرة الاجل بالعملة الأجنبية، والتصنيف الائتمانى بالعملة المحلية قصير الأجل وطويل الأجل مع نظرة مستقبلية سلبية، وهو ما يعني أن على المستثمرين والدائنين توخي اقصى درجات الحذر في التعامل مع تركيا؛ بل والمسارعة إن أمكن لتقليص استثماراتهم، وضمان استعادة ديونهم. مؤسسة فيتش، ركزت على المخاطر الائتمانية للبنوك التي تزايدت نتيجة محاولة الانقلاب والاستقطاب السياسى، وهي ترى النظام المصرفي معقولا لجهة حساسية البنوك للمخاطر، والوصول إلى أسواق الائتمان الأجنبية، رغم وجود أدلة بسيطة -كما وصفتها- لعدم استقرار ودائعه، إلى جانب انكشافه لمخاطر الإقراض بالعملة الصعبة التي تشكل ثلث محفظته الائتمانية بسبب الانخفاض الحاد فى قيمة الليرة التركية، مرجحة تحمل البنوك بعض الخسائر نتيجة التخفيض المتعمد لسعر صرف الليرة خلال السنوات الأخيرة لزيادة الصادرات، وهو ما سيكون مشكلة للسندات الحكومية التي تعتمد عليها الحكومة لتمويل الانشطة الاقتصادية؛ مما سيؤدي لرفع الفوائد على الديون. طبعا تستند تلك الوكالات الى بعض البيانات الموجودة أصلا لتبرير تخفيض التصنيفات كديون القطاع الخاص التي قدرت في العام 2014 بحوالي 138 مليار دولار، وتراجع عائدات القطاع السياحي (زادت عن 31 مليار دولار عام 2015) والذي يشغل 8% من الايدي العاملة، وتراجع سوق الاسهم، وتوقع ارتفاع العجز في الموازنة كنسبة من الناتج المجلي الإجمالي إلى 4.5% عام 2016، وغيرها من بيانات تستثمرها لاصدار أحكامها التصنيفية. تركيا اليوم على مفترق طرق اقتصادي في سعيها لتحقيق رؤية 2030 التي ستنقلها لتكون من بين أكبر 10 اقتصاديات في العالم، وهي تواجه الكثير من التحديات لعل التصنيفات الائتمانية من بين أكثرها خطورة، خاصة وأن تضليل وكالات التصنيف الأسواق قبيل الازمة المالية العالمية 2008 ما زالت ماثلة، لذلك تتحمل أسواقها المسؤولية الأكبر في امتصاص الخسائر التي مني بها الاقتصاد عقب المحاولة الانقلابية، دون إغفال دور الأسواق ومؤسسات الاقتصاد العالمية.