"همم" مبادرة اجتماعية - اقتصادية يقودها شباب "المضيرب"

عندما كنا في مدينة "ميونيخ"، الألمانية، لفت انتباهنا في الأكشاك التي تبيع الفواكه، سلل مليئة بالتمور التي تنتجها نخيل "الجزائر"، وكان تعامل البائع معها في طريقة صفها وأسلوب عرضها وشكل الاهتمام المبالغ بها؛ خوفا من أن تلمسها يد بشر فتتساقط حباتها ويختل نظام وجمال منظرها وتشكيلة عرضها، أو تصاب بما يلوث ويعكر صفاءها ونقاء مظهرها الجذاب، أشبه بقطع ذهبية أو حبات من اللؤلؤ غالي الثمن، وهي كذلك فعلا لمن عرف حق النخلة وقيمة وبركة تمورها الغذائية والاقتصادية، فقد نقدنا البائع حوالي ريالين عمانيين، ثمناً لعشر حبات منها فقط، ما يؤكد ويسند حقيقة عشق الشعوب للتمور وتقديرهم لقيمتها الغذائية وحلاوة مذاقها وجمال النخلة وصمودها وارتباطها العميق بالإنسان، ساعتها تأسفنا وتحسرنا على تراجع مكانة ودور النخلة وإهمالها، وانخفاض أسعارها بشكل كبير في بلادنا، بعد أن كانت في الماضي نشاطاً اقتصادياً رئيسياً يعتمد عليها العماني في تحقيق أمنه الغذائي وفي تصدير البسور والتمور بكميات باذخة إلى الهند ودول أخرى، يحصل في مقابلها ملاك النخيل والعاملين في خدمتها ورعايتها وحصادها على دخل مالي يكفي لسد احتياجاتهم من السلع والبضائع ومتطلبات الحياة لعام كامل. ولكننا وعلى مدى العقود الأربعة الماضية سلمنا هذه الثروة الزراعية والقطاع الاقتصادي عالي القيمة إلى الأجنبي يديرها بالكيفية التي تحقق له مصالحه وتعود عليه بدخل وفير، عملا وحصادا واستثمارا اقتصاديا... وفي تغريدة تم تداولها قبل أشهر قليلة، يقول صاحبها بما معناه، أن مستثمرا من دولة آسيوية يزور السلطنة كل عام في بدايات الصيف لمدة شهر ونصف، يستأجر خلالها مئات النخيل ذات الجودة العالية بـ "120" ألف ريال عماني، ويصنع ويسوق ويبيع تمورها بعد الحصاد بـ "2000" ألف، محققا ربحا صافيا قدره "80" ألف ريال، يحولها مباشرة إلى حسابه في وطنه، ليستثمرها من جديد بعوائد مضاعفة. في الفترة الأخيرة بدأ الشباب العمانيون يدركون أهمية وقيمة النخلة، وأصبح لديهم الوعي المتنامي بضرورة العمل في نشاطها بدلا من الأجنبي، واستثمار وتسويق وبيع التمور في الحصول على فرص عمل ودخول أخرى ترفع من قيمة العوائد المالية، وهو تطور مهم قد يسهم في إعادة الاعتبار للنخلة، والاستثمار في تصنيع تمورها وجذوعها وكربها بتحويلها إلى حلويات وبسكويت وسلع غذائية وصناعة الأخشاب والحرف... وفي موقف معبر ومؤكد، وبعد أن رفع العمال من "دول شبه القارة الهندية" قبل سنتين - الذين سيطروا لعقود على الإشراف والعمل في بساتين النخيل والحمضيات والأراضي الزراعية واستثمار إنتاجها الوفير لتعظيم مداخيلهم - أجرتهم اليومية في "الجداد" وخاصة حصاد نخلة "المبسلي" وطبخه وتجفيفه وتكييسه... من عشرة ريالات إلى خمسة عشر ريال عماني، فبادر عدد من الناشطين في قرية "المضيرب" بولاية القابل، إلى جمع الشباب العمانيين هناك، وعرض عليهم فرصة تحسين دخولهم، أو الحصول على عمل لفترة محددة عن طريق المشاركة في حصاد التمور بأنواعها، وبينوا لهم محاسن هذه المبادرة بالاعتماد على العماني والاستغناء عن غيره الذي فرض شروطه، فبادر الشباب إلى التسجيل والقيام بكافة أعمال الحصاد، ونجحت المبادرة نجاحا باهرا، واستنسخت التجربة في ولايات أخرى، وها هي تواصل أدائها للسنة الثالثة على التوالي. فالمبادرة والإرادة والعرض الجيد للفكرة والإيمان بما نملكه من موارد وامكانات... جميعها محفزات للنجاح ودوافع مهمة لاستعادة ثرواتنا وما فقدانه من قيم وإرث وثقافة تحتشد بالثراء.