لم يكن أكثر المتشائمين من الخبراء والاقتصاديين والسياسيين يتوقع أن تهوي أسعار النفط العالمية وبشكل متسارع لتستقر عند الـ 33 دولارا وليفقد مؤشر أسعار النفط العالمي أكثر من 70% من سعره السابق خلال فترة وجيزة، ويأتي الهبوط الحاد في أسعار النفط، في الوقت الذي تعاني فيه معظم الدول الخليجية من ضغوط اقتصادية واجتماعية هي الأكبر، في ظل تحديات داخلية تتمثل في رغبة هذه الدول في إحداث تنمية حقيقية متواصلة. كما أن هناك تحديات إقليمية تتمثل في الحرب التي يخوضها التحالف العربي لتحرير اليمن وعودة الشرعية. وكذلك التدخل العسكري الروسي الهمجي في سوريا، وبقراءة متأنية لأهم الأسباب التي أدت لتدني أسعار النفط العالمية وتداعياتها، هناك رأيان، أما الأول، فيستند إلى نظرية المؤامرة والمدعومة من أمريكا والدول الغربية والتي تتلخص، في تقليل حجم الطلب على النفط بهدف إضعاف الدب الروسي اقتصادياً وسياسياً، وهي ثاني أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، مما يجعل من النفط أهم الموارد التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي، وكذلك إحداث حالة من الضعف في إيرادات الدول المنتجة للبترول، ولاسيما الخليجية، خاصة أن السعودية والكويت تعتمدان اعتماداً كبيراً على الإيرادات النفطية وتعتمد باقي الدول الخليجية بشكل أقل على الإيرادات النفطية نتيجة لتبنيها إستراتيجيات التنوع الاقتصادي وخاصة الإمارات وقطر. أما الرأي الثاني فيعتمد على الأسباب الاقتصادية لانخفاض أسعار النفط والتي هي: 1- زيادة المعروض النفطي في ظل رفض أوبك تخفيض حصتها الإنتاجية. 2- انخفاض الطلب على النفط في ضوء التنبؤات العالمية بانخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي وخاصة في الصين والنمور الآسيوية. 3- ارتفاع المخزونات الأمريكية إلى أعلى مستوى وبما يقارب 65 مليون برميل. 4- التقدم الكبير في أبحاث مجال الطاقة المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وكذلك التقدم في صناعة السيارات الكهربائية. 5- دخول صناعة النفط الصخري الأمريكية بقوة إلى سوق النفط. ومع أنني لا أميل للأخذ بنظرية المؤامرة إلا أنني لا أستبعد في هذه الظروف الدولية المعقدة أن تكون هناك مؤامرة حقيقية ساهمت وستستمر في العمل على الوصول بأسعار النفط إلى أدنى مستويات ممكنة، كما أن سيناريوهات الشرق الأوسط الجديد والمطروح من قِبل بعض المنظرين والمفكرين في الغرب تجعلنا مطالبين بأن نفكر وبعمق ونجيب عن هذا السؤال: هل يمكن أن تكون دول الخليج العربي جزءا من هذه المؤامرة؟ أما في الدول الخليجية فسيشكل انخفاض المداخيل النفطية ضغوطاً شديدة على موازنات هذه الدول. ونتيجة لذلك اتجهت بعض الدول الخليجية إلى برامج تقشفية خلال هذا العام، غير أن هذا التأثير سيكون أقل بكثير في الإمارات، حيث تقوم ومنذ فترة كبيرة بتبني إستراتيجية التنوع الاقتصادي وزيادة الاستثمارات الصناعية والقطاعات الأخرى الموجهة للتصدير وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة المتجددة والطيران والفضاء وخدمات النفط والغاز والسياحة وكذلك هو الحال في قطر، حيث تتبنى إستراتيجية تنويع مصادر الدخل وإدارة الاحتياطي المالي داخلياً وخارجياً وتقليل الاعتماد على عوائد النفط والغاز والذي يشكل 87% من الصادرات القطرية مع الاستثمار في المجال الرياضي وتطبيق الإبداعات والابتكارات في المجال الاستثماري. وأخيرا وفي إطار هذه المخاطر المالية والاقتصادية التي تتعرض لها الدول الخليجية يصبح تبني إستراتيجيات التنوع الاقتصادي القائم على البحث العلمي والمعرفة والاقتصاد الرقمي مع إعطاء دفعة قوية للاستثمارات الكبيرة في المجالات ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لإحداث نقلة نوعية في هيكل الاقتصاد، مطلباً ضرورياً والابتعاد الآمن عن فخ المؤامرات.