ما الذي يجعلك تعتقد أنك تسيطر على الاحداث من حولك، وما الذي يجعلك تعتقد انك من اختار نوعية حياتك أو عملك أو دراستك أو زوجتك أو أي شيء موجود حولك، حتى الأفكار التي تتبناها والايديولوجيا التي تؤمن بها، ما الذي يجعل كل ما نحن عليه خيارا قمنا نحن باختياره.
بعد اعادة النظر من أكثر من زاوية اجد اننا لا نختار شيئاً بل نتفاعل مع الاحداث كل بطريقته، ولتوضيح ذلك دعونا نأخذ مثالا، اذا كان احدهم يشعر بالعطش فسيقوم بشرب الماء معتقداً بذلك انه قرر ان يشرب الماء وأنه حر في قراره ولكن الحقيقة انه شرب الماء لتلبية حاجة طبيعية لجسمه بل انه مجبر على ذلك القرار وعليه تنتفي صفة الحرية بقراره، على ذلك ولنأخذ أي مسألة فكرية معقدة مثل مسألة الوجود وسببه ونهايته حيث اننا نعلم جميعاً اننا نتقدم بالعمر لنصل الى نهاياته ولكن يبقى عمل الواعي منا هو التمسك بالحياة كأنما لا تنتهي علما اننا لسنا اصحاب قرار في ذلك وأنها ستنتهي لا محال وهذا أيضاً يؤكد فكرة انعدام الحرية في اتخاذ القرار ابتداء من شربه الماء وصولا الى قرار الوجود بحد ذاته.
اننا اوفياء لما نؤمن به وأن ما نؤمن به هو وليد القناعات التي تولدت لدينا من محيطنا وبيئتنا والتي لم نختارها وليس لنا يد في وجودها حتى مشاعرنا التي هي وليدة أفكارنا ووفائنا لما نحب ونؤمن هو ردة فعل وتفاعل مع معطيات لم نقم باختيارها.
إنني أجد ان هذا التعقيد لابد ان يقود الى وجود خطة محكمة تسير هذا الكون وأن الله أوجد الطريق للجميع كل بما يناسبه وترك لنا النوايا التي في القلوب فهي موطن الحرية الوحيدة في حياتنا وهي موطن التكليف الأصلي الذي نحاسب عليه.
وفي نفس الإطار يمكن تخيل مستقبل أي مجتمع أو نظام أو دولة بناء على دراسة معطياتها الراهنة وتاريخها الذي يلقي ظلاله على الواقع.
كذلك بالإسقاط الاداري للفكرة أجد نجاح أو فشل أي عمل أو شركة أو منظمة يمكن ان يتم توقعه حتى من قبل أن تنفذ الفكرة وتفتتح الشركة وبغض النظر عن الجهود التي ستبذل بها، وذلك من خلال دراسة بيئة العمل بكل مكوناتها لأن نجاحها أو فشلها ليس قرار من يفتح الشركة ولكنه ردة فعل مثل شرب الماء لشخص عطشان ليس لأنه قرر ذلك ولكن لضرورة بشرية.
إن بعض الأشخاص يعملون الخير في حياتهم قرار منهم باعتقادهم ولكن ذلك توفيقاً من الله كشرب الماء، والآخر يعمل الشر بسوء نية تبعا لمكان حرية الخيار وهي النية.
إنني في هذا المقال لا ادعي فهم كل ما يحيط بي من مكونات الحياة ولكن أحاول أن أتساءل علّي أجد الحلول وأشرك معي العقول النيرة لفهم ما تبقى لم يفهم بعد، فيما تبقى من العمر لم يفنَ بعد، وإلى ذلك الحين هذه تحية وإلى لقاء.