النفط والخرطوم وجوبا

شهد الأسبوع الماضي تجديد اتفاقية التعاون النفطي بين السودان وجنوب السودان وتمديد العمل بها ثلاث سنوات أخرى، ومراجعة رسوم العبور وفق شرائح جديدة مع الوضع في الاعتبار تقلبات السوق النفطية وتراجع الأسعار، وكذلك إعادة جدولة مبلغ ثلاثة مليارات دولار التزمت بها جوبا للخرطوم تعويضا عن خسارة السودان لمعظم احتياطياته النفطية المعروفة إثر الانفصال، كما تم التعاون على تشغيل مربعي 1 و 4 المتوقفين بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان عبر الدعم الفني الذي يمكن أن يقدمه السودان. لعب النفط دورا محوريا في الوضع السياسي في السودان منذ إعلان شركة شيفرون اكتشاف النفط بكميات تجارية تركزت في جنوب البلاد في سبعينات القرن الماضي. وظهر ارتباط النفط بالسياسة عندما أحتج الجنوبيون على قرار إقامة مصفاة للتكرير في مدينة كوستي التي تقع في الشمال مطالبين بتحويل الموقع إلى مدينة في الجنوب، ثم تطور الأمر عندما هاجمت الحركة الشعبية وهي القوة المتمردة الجديدة معسكرا لشركة شيفرون، الأمر الذي دفعها إلى وقف نشاطها كلية وفيما بعد ترك السودان نهائيا بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من البدء في تصدير إنتاجها. وبتسلم الرئيس عمر البشير السلطة اتجه شرقا بحثا عن بدائل لشيفرون، وتمكن نظام الحكم الجديد بمساعدة الصينيين والماليزيين من إحداث اختراق والانضمام إلى نادي منتجي ومصدري النفط في العام 1999. تدفق العائدات النفطية أسهم في رفد خزينة الدولة، الأمر الذي انعكس على أدائها العسكري في مواجهة المتمردين وهو ما دفعهم في النهاية إلى قبول النصائح وإبرام اتفاق سلام يسمح لهم بتقاسم عائدات النفط بدلا من العمل على وقفه. وهذا هو الأساس الذي قامت عليه اتفاقية نيفاشا للسلام التي شملت أيضا إعطاء الجنوبيين حق تقرير مصيرهم. وبعد فترة الست سنوات الانتقالية صوت الجنوبيون لصالح الانفصال وكان أحد دوافعهم لذلك أن اتفاقية نيفاشا تعطيهم نصف ما ينتجونه من نفط وإذا صوتوا للانفصال فإنه سيكون بوسعهم الحصول على 100 في المائة من نفطهم، وهو ما حدث. لكن إذا كانت صدفة الجيولوجيا قد جعلت معظم الاحتياطيات النفطية تقع في جنوب السودان فإن صدفة الجغرافيا جعلت من الجنوب دولة مغلقة ولإيصال نفطها إلى الأسواق الخارجية فهي تحتاج إلى المرافق الخدمية الموجودة في السودان من مراكز المعالجة وخطوط الأنابيب وموانيء التحميل. ورغم الجهود التي بذلت لإيجاد بدائل عبر شرق إفريقيا، إلا أنهالم تنجح لآسباب أقتصادية بحتة ليصبح السودان هو خيار جوبا الوحيد لإيصال نفطه إلى المشترين الأجانب. وهكذت لعب النفط دورا في تأجيج الحرب الأهلية ثم الدفع نحو السلام ثم الانفصال وهاهو يضع علاقات البلدين في مربع المصالح المشتركة بعد فترة من التجريب وخفوت أصوات التطرف العقائدي لصالح حسابات الدولة ومصالحها.