إن ذهاب الليل أو اختفاء النهار لا يمكن أن يكون دليلا على عدم وجودهما مع واقع ظاهر الأمور أنه غير موجود، ولكن العقل والمنطق والتجربة والبرهان تثبت أن الواقع قد لا يكون موجودا ولكن يتم الالتزام به غيبياً، عليه فإن المبدأ الأساسي في الالتزام قد لا يكون مكتوبا في عقود ولا مثبتا في قوانين ولكن تم التعارف عليه بين الناس وهذا ما يطلق عليه العقد الاجتماعي أو الاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع، فمثلا إن من المسلم به احترام الكبير والعطف على الصغير وحفظ الأمانة ورد المظالم ومساندة المظلوم ونصرة الحق وغيرها الكثير الكثير من المعاني والقيم التي لم تكتب ولكن أصبحت ملزمة لما تحمله من تحقيق للخير وتماشيا مع الفطرة الإنسانية، وهنا موطن الطرح ومنبع التساؤل وهو: لماذا اتجهت الأمور في الآونة الأخيرة إلى توثيق ما لا يمكن توثيقه؟ ولماذا أصبح الأصل في الأمور الغدر ما استطاع إليه الأشخاص سبيلا؟ ولماذا تفشت ظاهرة سرقة الجهد واحتلال الأماكن وقبول المال غير المبرر وتبرير التقصير في العمل ومنطقة الزلات والخطايا وتبديل الحقائق؟ والمشكلة ليست فقط في ذلك ولكن المشكلة في اعتبار أن ذلك أصل التعامل وليس انحرافا في السلوك.
إن العهد والالتزام لا يكون فقط فيما كُتِبَ ودوِّنَ وإنما فيما اتفق عليه عرفاً ومروءة، وأن رويبضة القوم وإن كثروا لن يجعلوا من فعل السوء نبيلاً وإن برروا ذلك، فستبقى القيم والأعراف والعقود الاجتماعية قائمة يحمل رايتها شرفاء الأمة وإن قلوا، وليعلم المنبطحون وراء المصالح دون القيم أنهم غثاء كغثاء السيل لن يغيروا مجرى الأمور وليس لهم من الدنيا إلا ذلة النفس والهوان على الناس وغضب من الله. وأما من حمل العهد وحفظ الأمانة وراعى الله وماشى العرف وحفظ مبادئ الشهامة فقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك» صدق رسول الله. وأخيراً أقول إن الأمم لا تُبْنَى إلا بشرفائها وإن المسؤولية فردية وجماعية في تعزيز وبناء المنظومة الأخلاقية السليمة انطلاقاً من منابع التعليم وصولا إلى كل مرافق القطاع العام والخاص، وجعل الالتزام بالعقد الاجتماعي والضوابط الاجتماعية من قيم سليمة ومبادئ صحيحة أولوية قبل باقي أولويات وأهداف المؤسسات من تعليم أو صحة أو صناعة أو خدمات، أي أن تكون منظومة الأخلاق والعقد الاجتماعي هي الأولوية وليس الإنتاجية، وعليه ستكون جودة الإنتاجية تحصيل حاصل ونتيجة حتمية للمنظومة الأخلاقية السليمة.
فاختر لنفسك مقاما تسمو به حتى إذا ما انفردت مع نفسك أمام المرآة شرفت بها، ولا تغرنك المكاسب السريعة على حساب تصنيفك الأخلاقي، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى لقاء.