الاقتصاد الدولي سيبقى كما هو عليه مشكلة اقتصادات اليوم أن الاستثمارات لم تعد تأتي كالسابق بكميات كبيرة وفي كل الأوقات، الأزمات المالية الحاصلة في الغرب تؤخر العمليات الاستثمارية. الفساد يعيق التقدم ويمنع المستثمرين من رؤية الفرص المحتملة بشكل واضح، الإرهاب والعنف يضعان الأهداف الاستثمارية في مراتب أدنى من الأمن والاستقرار الضروريين للحياة. الفساد الحاصل في كل القطاعات والدول وخاصة مؤخرا علنا في الرياضة يقتل براءة المنافسات التي يجب أن ترتكز فقط على الكفاءة والتحضير والجهوزية، يمر العالم اليوم بظروف لا يحسد عليها. يقول الاقتصادي «لاري سامرز» إن الاقتصاد الدولي سيبقى كما هو عليه لسنوات طويلة، أي بطيئا لأسباب أربعة: ارتفاع الادخار العالمي وبالتالي عدم انتقال هذه الأموال إلى القطاع الاستثماري، تدني نسبة النمو السكاني وارتفاع نسبة المسنين في المجتمعات مما ينعكس سلبا على الاستثمارات الجديدة، ثالثا تخبط واضح، بل ربما تراجع في التغير التكنولوجي وبالتالي في الإنتاجية وأخيرا تدني قيمة السلع الاستثمارية في الناتج المحلي. يوافق معظم الاقتصاديين الدوليين «سامرز» في توقعاته، بل يضيفون أن ما يحصل اليوم هو واضح وسيستمر وبالتالي إنها ليست مرحلة انتقالية، بل دائمة، مما ينعكس سلبا على النمو والبطالة طويلة الأمد. علمت الأزمات المالية المستثمرين أن يتنبهوا لأموالهم، أين يضعوها وفي أي وقت ودولة وبالتالي تطول فترة الانتظار قبل اتخاذ القرارات. تحقيق النمو اليوم أصبح أصعب بكثير من الماضي، لأن عدد ونوعية الأفكار الجديدة قلت، وبالتالي من أين يأتي هذا النمو؟ هنالك كتاب مهم للاقتصادي «روبرت غوردن» عن النمو الأمريكي يقول فيه إن فترة المئة سنة بين 1870 و1970 كانت سنوات الثورة الاقتصادية التي لم تتجدد في السنوات المئة التي تلت وربما لن تتكرر مستقبلا. غيرت فترة 1870 وما بعدها الحياة كما لم يحصل من قبل، كان التأثير ضخما، ليس فقط على الاستثمارات وإنما على طريقة الحياة والمعيشة والاستهلاك، كل ذلك بفضل التجدد والابتكارات وطرق الإنتاج الحديثة والتكنولوجيا. أما فترة ما بعد 1970، فكانت في رأي «غوردن» مخيبة للآمال وباهتة اللون بسبب تداخل عوامل سلبية مهمة لم تكن موجودة من قبل، أهمها ارتفاع فجوة الدخل بين الشعوب، ضعف مستويات التعليم وعدم استفادة الجميع من الحد الأدنى منه، التغير الديموغرافي داخل الدول وفيما بينها، وارتفاع نسب الدين من الناتج في أكثرية الدول. الفارق الأساسي الإضافي هو ضعف تأثير عمليات التجدد والابتكار على الحياة مقارنة بما حصل قبل سنة 1970. يقارن «غوردن» نسب النمو بين فترتي (1920- 2014) و(2015- 2040) التي يبني عليها توقعاته العلمية. تشير كل الأرقام إلى انحدار نسب النمو والتقدم إلى أقل من النصف بين الفترتين، مما ينعكس سلبا على مستوى الدخل والأجور والإنتاجية والبطالة. ينهي «غوردن» دراسته بالقول إنه مهما تقدمت العلوم لا يمكن نسخ تجربة 1870 - 1970 الفريدة ليس فقط في أمريكا وإنما عالميا.