نظرية القنفذ.. والسبع صنائع

كثير من الناس هُم من يسعون دوما للتعلم والتطوُّر، فنحن البشر وكما تعوّدنا منذ الأزل وفي سعيِنا الدائم نحو العمل والإنتاج فإننا نحتاج دوما لتنويع مهاراتنا ومعارِفنا، ولذلك فإننا ندرس في المدارس مواد عديدة تبدأ بالرياضيات والعلوم وتمُر باللغات والفلسفة ولا تتوقف عند التاريخ والجغرافيا، ولذلك أيضا فقد كان الشرط الأهم دائما لتخطِّي السنة الدراسية لأي طالب هو النجاح في كل هذه المواد الدِراسية مُجتمِعة وهو ما يضمن للقائمين على الصروح التربوية أننا قد نجحنا في امتحان المعرفة الخاص بهذه المواد والبرامج بما لا يقل عن خمسين بالمائة وهو برأيِهِم ما يضمن حدا أدنى من المعرفة والعلوم، وهو بتصوُّرِهِم ما يوسِع من مدارِكنا ويجعلنا ذوي تنوُّع فكري وعلمي، بل وأكثر من ذلك فإنه حتى وفي التخصصات الجامِعية أو المِهنية فإننا وفي بعض الأحيان نضطر لدراسة ومراجعة العديد من المُتطلبات المعرِفية في عدة مواد قد لا تكون ذات صِلة مُباشرة بتخصُصاتنا العامة، هذا النهج التعليمي المُتنوِّع والذي يعتمد من حيث المبدأ على فكرة التنوُّع والثقافة العامة في العلوم، انتقل مع كثير من أبناء هذه المُجتمعات الى أعمالِهم، فالتُجّار وفي سعيِهِم الدائِم لتحقيق الأرباح وتعظيمِها كانوا دوما ما يسعون للعمل بكُلِّ ما أتيح أمامهم من فُرص، حتى ولو كانت من خارج نطاق أنشِطتِهم الأساسية، فبِتنا نسمع كلمة العديد منهم الشهيرة " نحن نعمل في كُلِّ شيء "، فليس المطلوب منك الا ان تطلب وتتمنى ونحن من سنُوفُّر لك جميع احتياجاتك، وكل بثمنِه، كذلك فإن سُرعة التغيُّرات والرغبات في المجتمع والأسواق الحديثة كانت سببا رئيسيا للتغيُّر الدائم في أذواق المُستهلكين وهو الأمر الذي فرض في بعض الأحيان تعديل مُنتجات وأنشطة البائعين أنفُسِهم لضمان تلبية احتياجات المُشترين على أكمل وجه، هذا التغيُّر والتبديل السريع بغية الوصول للهدف كان عنوانا للنقاش في أحد الكُتب التي أطلقت عليه اسم " نظرية القنفذ "، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي علاقة كل ما ذكرنا بالقُنفذ؟ وما هي أصلا " نظرِّية القُنفذ "؟ وكيف نستفيد منها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان نظرِّية القُنفذ هي نظرية قديمة بعض الشيء، وهي الفكرة التي كان أول من ذكرها مِهنِيا هو الكاتب الأمريكي " جيمز كولينز" في كتابه الشهير " من الجيد للعظيم " وهي النظرية التي تستند الى قصة يونانِية قديمة وتاريخية تتحدث عن قِصة الثعلب والقنفذ، فالثعلب هو حيوان ذكي وماكر وهو مُتعدِّد المهام ويعرف كيف يُغيِّر من طرق حركته وخِططه لاصطياد فريسته ولو كان ذلك من مسافات طويلة حتى، فهو عالي الإحساس بالبيئة والظروف المحيطة به وهو ما يجعله يقوم بعدة طرق لاصطياد فريسته التي هي عبارة عن القنفذ، لكن والمُلفِت للنظر فإنه وبالرغم من أن القنفذ هو حيوان بطيء وغير مرن بل وغير مُتعدِّد المهام، وبالرغم أيضا من ذكاء الثعلب الكبير، الا انه وفي مُعظم الحالات فقد كان القنفذ ينجح في التخلص من هجوم الثعلب بل وكان حتى هو من ينتصر ليخرج سالِما وغانما وهو يراقب الثعلب وفمّه مليء بالأشواك وذلك عبر استخدامه حيلة واحِدة يعرِفها ويعيدها في كل كرّة وهي أن يتحوّل لكرة من الأشواك وهي الرؤية الوحيدة والشاملة التي بات القنفذ يُتقِنُها بشكل مُذهِل، هذه القصة وهذا التصرف الطبيعي حمل "كولينز" الى وضع نظرية مهمة لقطاع الأعمال أطلق عليها اسم " نظرية القنفذ " كونها تنطلق من نفس المبدأ، فالنظرية تقول إن الشركات الناجِحة هي الشركات التي غالبا ما تُركِّز على شيء واحِد في كل مرة، فتُتقِنه وتقوم به بأفضل الطرق وأقلها تكلفة، فهي مثل القنفذ تتخصص في ما هو مهم بالنسبة لها، اما الشركات التي تركِّز على أشياء عديدة فهي مثل الثعلب الذي يوزِّع جهوده وموارده بين أكثر من أمر ليخرج في آخر المطاف خاسرا ومُنهكا، وفمه مليء بالأشواك، وبالشرح المفصّل لنظرية القنفذ السابقة وبتحويلها لما يتناسب مع حياتنا فإنه قد تم تقسيمها لثلاث مراحل يجب أن يعيشها الانسان، فهي تؤكّد على ان المرحلة الأولى لأي شخص هي أن يبدأ بالبحث عن تلك الأمور التي يكون بارِعا بها وذلك بغض النظر عن مدى حبه أو رغبته بالقيام بها، ثم وفي المرحلة الثانية يجب أن ينتقل هذا الشخص للبحث عن الأمور التي يمكن أن يجني منها المال ليكون الهدف من هذه الخطوة هو تأمين الاستقرار والاستمرارية بالعيش، وأخيرا وبعد الانتهاء من المرحلة السابقة فإنه يجب البحث عن الأشياء التي يعتبرها هذا الشخص حلما له أو شغفا دائما يشعر بالسعادة عند القيام به، وبذلك إذا ما أطلقنا على ما سبق اسم " مُثلث القنفذ " فإننا سنكون قد حدّدنا أهم الامور التي اذا عمِلنا عليها بتركيز سنحصل على نجاح أكبر وحياة أفضل، وهو ومما لا شك فيه ليس بالأمر السهل أو البسيط ولكنه حتما أمر مُمكِن. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن هذه النظرية وبالرغم من إيماني الشخصي بفكرة التخصص والتميُّز، والتي تعطي للأشخاص ميزة تنافُسية في معرفة كل ما يخص مجال أعمالهم وبالتالي إمكانية تطويرها والنجاح بها، وبالرغم من أن " نظرية القنفذ " كانت على مر الزمان سبباً في نجاح الكثير من الشركات كما والكثير من الأفراد أيضا، إلا أنني أرى أنها تُهمِل جانبا مُهما قد يُواجِه الشركات في الفترات المُقبِلة، ففكرة الذكاء الصناعي والعمل عبر آليات وماكينات لا تعرف التعب أو الملل، قد تحمل في طياتِها مُعالِجات إلكترونية تُعالج عشرات المُتغيرات في أجزاء بسيطة من الثانية وهو ما يجعل التخصُّص بأحد المواضيع او العلوم هو سِمة إنسانية، لا يُمكِن مقارنتها بآلية عمل الذكاء الصناعي وهو المُتخصص الدائم في مُعظم الأمور والمعارِف، ولكن وبرغم كل ما سبق فإننا نحن البشر وبتركيزنا على إنسانيتنا وقدراتنا العقلِّية الخلّاقة، قادرين على تكوين كرة الأشواك التي نستطيع أن ننتصر عبرها على نتاجنا الفكري والتكنولوجي دائما، وهنا أستذكر مقولة "أندريه جيد " حين قال "انك تحتاج إلى البراعة كي تتكلم، ولكنك تحتاج الى الذكاء والهدوء لكي تُصغي".