إن نجاح أي مشروع استثماري يتوقف على مدى صحة وسلامة القرار الاستثماري المتخذ بشأن ذلك المشروع، حيث يساعد القرار الاستثماري القائم على أسس علمية صحيحة وواقعية من تعظيم القيمة الحالية للثروات عبر مساهمته في اتخاذ قرار الاحتفاظ بالأصل من عدمه وكذلك عبر تحديد أسعار البيع والشراء لأي من الاستثمارات القائمة، وبالتالي فإن معظم المستثمرين يقومون باتخاذ قراراتهم الاستثمارية الرشيدة بالاعتماد على البيانات والدراسات المالية المُتاحة ليصلوا في النهاية لما يعتقدون أنه قيمة عادلة لأعمالهم وأملاكهم، ففي عالم الأسهم مثلا فإن تأثير أي من المعلومات الخاصة بالشركات مثل الأرباح أو المشاريع الجديدة وغيرها الكثير هو ما يُحدِّد وبشكل كبير تحركات السيولة والشراء أو البيع على أسعار هذه الأوراق المالية وهو ما يتِم في كثير من الأحيان بشكل كامل ولو بعد حين، نعم إنها القيمة الحقيقية أو السعر العادل، إنها ذلك المُتغير الدائم الذي يشغل بال المستثمرين لينتقل دائما ما بين أفكارهم وقراراتهم بالبيع أو الشراء، فيُرجِّح إحداها وينتقل بها من عالم الخيال إلى عالم التنفيذ والعمل، رقم خاص من عدة خانات يرسم بيده ويحمل بين طيّاتِه مقارنات كبيرة ودراسات استثمارية مستفيضة تنتهي بقرار وحيد قد يُغير بها صاحبه من حال إلى حال ومن ربح إلى خسارة والعكس صحيح، كلمات سريعة يبني عليها المستثمرون قراراتهم لسنوات قادمة فإما أن تشتري وإما أن تبيع أو تُبقيِ الحال على ما هو عليه بانتظار القيمة العادلة للأصول، رقم ذو قوة خاصة وطاقة جبّارة يتحول من خلالها الى كلمة سِرّيِة وفانوس سحري يساعد من يمتلكه - إن استطاع – على تخطي جميع العقبات والتحول من مستثمر عادي إلى قارئ ذكي للأسعار المُستقبلية للأصول والأسهم والاستثمارات، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هي القيمة العادلة للشركات؟ وكيف يتم احتسابها وبناء لأي طُرُق؟ وكيف يتم تقييم الشركات والمصانع وبالتالي تسعيرها ومن ثم أخذ القرار باعتبارها فرصة استثمارية حقيقية أم لا؟ بداية فإنه ومن الناحية العامة أو البسيطة يُقصد بالقيمة الحقيقية قيمة السهم بناء على واقع وحقيقة صافي القيمة الحقيقية لأصول والتزامات الشركة، حيث تُحسب هذه القيمة بنفس الخطوات التي تُتّبع لتحديد القيمة الدفترية للسهم مع وجود فارق جوهري وأساسي وهو أنه يتم تقييم الأصول والالتزامات على أساس أسعارها وقِيمها الحقيقية في السوق وليس على أساس قيمة شرائها أو سِعرها الدفتري، وهنا لا بد من التنويه بأن القيمة الحقيقية أو العادلة هي رقم يتغير مع كل تغيُر في قيمة الأصول والالتزامات التي تظهر في أي قوائم مالية جديدة يتم إصدارها بل وأكثر من ذلك مع كل عقد أو إيراد جديد يتم تحقيقه أو الاتفاق عليه من قِبَل الشركة، وذلك حسب طريقة التقييم التي يتم اعتمادها والعمل بها، وهنا لا بد من ذِكر تعريف آخر أكثر شمولية ودقة للقيمة العادلة حيث يعتبره البعض بأنه القيمة العادلة أو المعقولة التي تُبرِّرُها الحقائق والأرقام المُتمثلة في العديد من المُتغيرات مثل قيمة وجودة الموجـودات والأرباح، بالإضافة إلى ربحية السهم الواحد وتوزيعات الأرباح المُتوقعة كذلك فإن ديون الشركة والتزاماتها وآفاق النمو المستقبلية الخاصة بها وغيرها الكثير جميعها عوامل مُهِمة يجب أخذها بالاعتبار عند احتساب هـذه القيمـة حيث يتم ذلك من خلال تقـدير التـدفقات النقديـة وتوزيعـات الأربـاح والعوائـد أو الخـسائر الرأسـمالية الناتجـة عن الاستثمار في نهاية فترة الاحتفاظ وهنا تجدر الإشارة إلى أن أهم طرق التقييم الخاصة بالشركات هي الطرق التالية: طريقة صافي قيمة الأصول: وتعتمد هذه الطريقة على حساب القيمة الحقيقية لجميع أصول والتزامات الشركة وذلك بإعادة تقييمها وتسعيرها حسب القيمة السوقية الحالية ومن ثم طرح قيمة الالتزامات من قيمة الأصول ليكون الناتج هو ما يُعبِّر عن صافي القيمة الحقيقية لما يملكه المساهمون حاليا في هذه الشركة وبالرغم من سهولة حساب هذه الطريقة إلا أن ما يعيبها هو أنها لا تأخذ بعين الاعتبار قيمة أي عقود مستقبلية أو طفرات تشغيلية للشركة، فهي تُعبِّر عن قيمة الشركة في هذه اللحظة أو الفترة فقط، كذلك فإن بعض نموذج العمال وخاصة التكنولوجية منها قد لا تتناسب مع هذه الطريقة نظرا لانخفاض قيمة أصولها وارتفاع العوائد الخاصة بها. طريقة القيمة الحالية للأرباح المُتوقعة: وتعتمد هذه الطريقة وبشكل أساسي على قيمة الأرباح المُتوقع تحقيقها في هذه الشركة لعدة سنوات قادمة وهي الأرقام التي يتم اعتمادها كعامل أساسي لتحديد قيمتها العادلة، فبناء لهذه الطريقة تُعتبر العوائد أو الأرباح هي المعيار الأساسي والأهم للتقييم، أما أهم ما يعِيبها فهو أنها لا تأخذ بعين الاعتبار الاستثمارات التي تم دفعها عند التأسيس أو عند بدء عملية التشغيل وبالتالي فإنها وبالرغم من كونها طريقة ممتازة لشركات التكنولوجيا الحديثة إلا أنها قد لا تصلح لتقييم المصانع الضخمة والشركات العملاقة ذات الأصول الكبيرة والتي تحتاج لاستثمارات ضخمة لتأسيسها. طريقة صافي القيمة الحالية للتدفقات النقدية: تُعتبر هذه الطريقة هي النسخة الأكثر تشددا من الطريقة السابقة حيث إن هذه الطريقة تهتم بالأرباح المُوزعة فعليا وليس بالأرباح المُحقّقة من قِبل الشركات، وبالتالي فإنها تنظر للشركة كاستثمار مُدِر للدخل يتم تقييمه بناء لما يتم استلامه من أرباح وأموال ناتجة منه، وهذه الطريقة تُعتبر من أكثر الطرق شيوعا في عالم السندات والأسهم فهي وبالرغم من تشدُّدِها إلا أن البعض يعتبرها الأكثر أمانا مقارنة مع غيرها من الطرُق. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإنه وبالرغم من أن لكل طريقة من الطرق السابقة مزاياها وعيوبها إلا أن دراسة الصناعة والبلد الذي يتم الاستثمار فيه هي الخطوة الأولى والأساسية لأي قرار استثماري سليم، على أن يليها خلطة خاصة ما بين كل من الطرق السابقة بحيث أن يكون لكل مُستثمر توليفته الخاصة من التقييمات السابقة والتي تتناسب مع طريقته في التداول ومع قدراته المالية وأهداف ربحه المُتوقعة وعلى ألا تتعارض مع أساسيات العمل والاستثمار الصحيح، وهنا لا بد من التنويه بأن المتابعة اليومية للمتغيرات الدائمة في عالم الاستثمار هي الشرط الأول والأهم لأي مستثمر ناجح فما بين يوم ويوم قد تتحول أكثر الشركات أمانا إلى أكثرها مُخاطرة والعكس صحيح ولنا في تحركات القطاع الطبي وتقلبات قطاع النفط والطاقة في الآونة الأخيرة خير دليل على ذلك، وهنا أتذكر المقولة الشهيرة لرجل الأعمال الشهير "وارن بافيت" حين قال في العام 1989 "من الأفضل بكثير شراء شركة رائعة بسعر عادل من شراء شركة عادية بسعر رائع".