على ماذا بنى أستاذ العلوم السياسية ونظم الحكم "يورغ سورنسن" دوافعه وقناعاته بضرورة وحتمية "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد"؟ وهو عنوان كتابه الصادر عن "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" ضمن "سلسلة عالم المعرفة"، وترجمه إلى العربية "أسامة الغزولي". أسفرت نتائج الحرب العالمية الثانية عن بروز قوتين عالميتين متنافستين على ترسيخ قيمهما وفكرهما الرأسمالي الليبرالي، والماركسي الشيوعي، وبنهاية سنوات الحرب الباردة، تفردت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة واحدة على الساحة العالمية، ما أدى إلى "انتصار وتبجح الليبرالية السياسية والاقتصادية" والتوافق والاتجاه "لأن تحتوي الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الليبرالية العالم بأسره"، وبعد سنوات أشبه بشهر عسل كان فيه النظام الديمقراطي الليبرالي واقتصاد السوق متربعا على عرش العالم، يسعى ويحاول ويعمل بكل الوسائل الدبلوماسية والتحفيزية، بالمساعدات المالية ودعم الاقتصادات الضعيفة واستخدام القوة أو التلويح بها على ترسيخ مبادئه وأفكاره ونشرها لتصبح نظاما شاملا مطبقا في معظم، إن لم يكن جميع البلدان، في كل القارات، فهل ما يزال هذا النظام يمتلك أدوات النجاح والتفرد والقوة والاستمرارية؟ وهل تشعر البشرية بالاطمئنان والاستقرار والتفاؤل بالمستقبل تحت مظلة الرأسمالية؟ وماذا عن الإخفاقات والفشل في الوقاية والعلاج من المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية التي هزت أركان هذا النظام؟. فقد غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، "الأجندة الدولية، وأطلقت الدولة القائدة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، حربا عالمية على الإرهاب، وفي وقت لاحق تبين أن الاقتصاد المعولم ليس حجر الأساس الراسخ للعالم القائم على التعاون الذي تصوره بعض الليبراليين. فقد سببت الأزمة المالية التي اندلعت في العام 2008 اضطراب النظام الاقتصادي بكامله..." صحيح أن الاقتصاد العالمي "لم يصب بانهيار تام، ولكن من المحتمل أن الأزمة لم تنقضِ بعد، لكنها كانت خطيرة بما يكفي لأن تطلق مناظرة حول النموذج الرأسمالي الأنسب للنظام، خصوصا حول العلاقة الصحيحة بين قوى السوق الحرة والضوابط السياسية". في هكذا واقع وعلى ضوء التحولات والانعكاسات التي تسبب فيها النظام الليبرالي واقتصاد السوق الحر، ظهر في الساحة تياران لكل منها قراءاته ومنطلقاته ورؤيته لمستقبل النظام الرأسمالي، ف"المتفائلون الليبراليون يتطلعون إلى عمليات تعاون وإلى امتزاج وقيم مشتركة في عالم تتنامى فيه الليبرالية؛ ويؤكد المتشككون الصراع والتنافر وغياب القيم المشتركة في سياق تبارٍ وتنافس". فـ "اثنا عشر عاما من الآمال الليبرالية، بعد نهاية الحرب الباردة، أخلت مكانها لاثني عشر عاما من التهديدات الأمنية الجديدة، ولأزمة اقتصادية قاسية. فأين نحن اليوم، بالضبط، فيما يتعلق بالنظام الدولي؟" وهذا هو السؤال الذي يعنى به هذا الكتاب، وعلى أثره يقدم الكاتب على ضوء دراساته وقراءاته وصفا للحال الذي تعيشه معظم بلدان العالم واقتصاداتها، حيث "تتزايد هشاشة جميع الدول والاقتصاد متهالك والنظام السياسي فاسد وغير فعال، والمجتمع الوطني مفتقد"، ف"المجتمع الدولي يضعف تحت ضغط التفاوتات الاجتماعية- الاقتصادية ومختلف أشكال الهجرة، وهشاشة الدول تضر بالمواطنين، فهي تقلص فرصهم في رغد العيش الذي يعني الأمن والنظام والعدل والرفاه والحرية باعتبارها قيما يريد معظم الناس أن يحققوها".