الخصخصة.. آخر العلاج الكي!

بعد الحرب العالمية الثانية ومن أجل إعادة بناء الاقتصاديات التي دمرتها تلك الحرب تدخلت الحكومات في كثير من الدول بشكل واسع في المجال الاقتصادي وانتشرت فكرة تأميم المشروعات الاقتصادية الهامة والتي كانت تحت ملكية شركات أجنبية خاصة في ذلك الوقت، وذلك بهدف التخلص من سيطرة تلك الشركات على المفاصل الاقتصادية أو سعياً في الحصول على الاستقلال الاقتصادي، وهو ما رفع نسبة مشاركة الحكومات في النشاط الاقتصادي، بل جعلها تمسك بزمام الاقتصاد، ونظرا لحداثة عمل تلك الإدارات وقلة خبرتها العملية وعدم قدرتها على مجاراة التطور التكنولوجي السريع الذي مر به العالم، فقد عجزت معظم هذه الشركات عن تحقيق أهدافها، بل وحتى عانت من التضخم في تكاليفها وخسائرها وهو ما جعلها عبئا ثقيلا يستنزف مقدرات الدول. وبعد مضي عقود على تلك السيطرة الحكومية ومع معاناة الدول من فقد مقدراتها المالية ومع تدهور جودة السلع والخدمات المقدمة، بدأت ومنذ ثمانينيات القرن الفائت عبارة الخصخصة أو التخصيص تستحوذ على اهتمام الناس فباتت أكثر المصطلحات الاقتصادية انتشارا وشهرة لدى غير الاقتصاديين. فما هي الخصخصة؟ وما هي إيجابياتها وسلبياتها؟ عرَّف «دونالد ستون» الخصخصة بأنها: «أي تحويل للملكية أو الإدارة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، بشرط أن تتحقق السيطرة الكاملة للقطاع الخاص، والتي لا تتحقق في الغالب إلاّ بالانتقال الفعلي لملكية الأغلبية إلى القطاع الخاص»، وبشكل عام فإنه يمكن تعريف الخصخصة بشكل أكثر تحديداً بأنها مجموعة من السياسات والإجراءات المتكاملة، التي تكفل نقل ملكية وإدارة المشاريع العامة أو المشتركة إلى القطاع الخاص، على أن يتم ذلك إما بشكل مباشر أو عن طريق طرح أسهم الشركة للبيع في الأسواق المالية. أما أهداف الخصخصة فهي عديدة ومن أهمها تحسين أداء المؤسسات والشركات العامة وإصلاح الجهاز الإداري للدولة وذلك بالاعتماد على حرية المنافسة، وتشجيع المبادرات الفردية، وتبسيط الإجراءات الحكومية مما يؤدي الى رفع زيادة الكفاءة الإنتاجية وتسهيل تنفيذ معاملات المواطنين مع إيقاف استنزاف مقدرات الدول خاصة للشركات الحكومية التي تحقق خسائر وبالتالي تثقل كاهل الإنفاق والدعم الحكومي. ومن هنا فإنه يمكن تلخيص أهم إيجابيات الخصخصة في ما يلي: إجراء عمليات إصلاح تنظيمي وهو ما يدعم السياسات المالية والنقدية للدول خاصة للشركات الخاسرة والتي تستهلك جزءا كبيرا من الإنفاق الحكومي. رفع كفاءة هذه المؤسسات وتحسين جودة خدماتها نظرا لخلق منافسة بين الشركات الخاصة في هذه القطاعات وهو ما ينعكس إيجابا على مستوى رضا المستهلكين. نقل المعرفة والتكنولوجيا والطرق الإدارية الحديثة إلى الدول والإدارات الأخرى. المساعدة في مكافحة الفساد الإداري والمحسوبيات والذي غالبا ما تعاني منه هذه الشركات. خلق فرص استثمارية جديدة وتشجيع القطاع الخاص على العمل والنمو وهو ما يؤدي إلى جذب رؤوس أموال شابة تساهم بدورها في تحقيق نمو اقتصادي. ومن هنا وبالرغم من أهمية الإيجابيات السابقة وخاصة على مستوى تقديم خدمة متكاملة للمواطنين إلا أن للخصخصة سلبيات عديدة ومنها: أنها تؤدي غالبا إلى الاستغناء عن نسبة كبيرة من موظفي الدولة. أنها قد تؤدي إلى رفع أسعار الخدمات والسلع الأساسية وبالتالي رفع الأعباء المالية على المواطنين وهو ما يؤدي إلى رفع مستويات الفقر أحيانا. تحويل الشركات الخاصة والتي تدير بعض المؤسسات الحيوية إلى مراكز قوى وثقل اقتصادي وهو ما يؤدي إلى نشوء مصالح خاصة لهذه الشركات والتي قد تكون متعارضة مع السياسات العامة للدولة. زيادة تأثير وتداخل الشركات الأجنبية في مصالح وأعمال الدولة وهو ما قد يكون ورقة ضغط سياسية أو اجتماعية لاحقا. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الخصخصة وبالرغم من أنها علاج للوضعيات الغير صحيحة في بعض مؤسسات الدولة، إلا أنها ولحساسية نتائجها تذكرني بمقولة ديل كارنيجي: الإدارة هي لعبة فكرية، وكلما فكرت بطريقة أفضل كلما حققت نتائج أعظم، لذا فكر جيداً وانتق من يفكر، واعمل مع من يفكر.