"بريكسيت".. انتصار خاسر

يمكن القول إن أوروبا وبريطانيا هما في وضع لا تحسدان عليه ما هي الأسباب التي دفعت البريطانيين للتصويت للخروج من الوحدة الأوروبية بنسبة 51,9% بعد أشهر من النقاش والصراع بين الطرفين؟ أولا: يقول المنتصرون إن العضوية لم تكن مفيدة نسبة للتكلفة. تشير الاحصائيات الى غير ذلك أي الى ارتفاع التجارة مع أوروبا بنسبة 55% كما الى ارتفاع الانتاج وخاصة الانتاجية. أما التكلفة فلا تتعدى 0,5% من الناتج. الوحدة الأوروبية هي السوق الأكبر لبريطانيا بسبب الجغرافيا والتاريخ دون أن يمنع ذلك بريطانيا من توسيع علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الكومنويلث وغيرها من المناطق. في الحسابات البسيطة، الفوائد الاقتصادية تفوق حتما التكلفة. واقعيا انضمت بريطانيا الى السوق الأوروبية المشتركة في سنة 1973 ووافقت على اتفاقية 1986 التي خلقت السوق الواحدة بدأ من سنة 1993. بريطانيا لم تنضم الى اتفاقيتي "شنغين" بشأن الحدود كما الى اتفاقية "ماستريخت" التي أسست للوحدة النقدية الأوروبية. استفادت بريطانيا من السوق الأوروبية الواحدة، فإذا جمعنا الصادرات والواردات البريطانية نسبة للناتج بالأسعار الثابتة نرى أنها ارتفعت من 25% في سنة 1957 الى 35% في سنة 1985 والى ما يفوق 60% اليوم. خروج بريطانيا من الوحدة سيعرض صادراتها لضرورة ايجاد أسواق جديدة ربما تكون بعيدة جدا عن حدودها. ثانيا: يقول الفائزون أن أوروبا تأمر بريطانيا وبالتالي استقلال بريطانيا هدد ومهدد مستقبلا أكثر. تشير الوقائع الى عكس ذلك، إذ أن هنالك عددا قليلا من القوانين البريطانية الذي قرر أو عدل بسبب أوروبا. عانت الوحدة الأوروبية وخاصة منطقة اليورو من أزمات كبيرة لا يظهر أن بريطانيا تأثرت بها كما تشير اليه أرقام النمو الايجابية. يقول المنتصرون إنه من السهل على بريطانيا ايجاد بدائل للسوق الأوروبية اذا قررت أوروبا اقفال أو تشديد حدودها. لا يمكن التأكد من ذلك اليوم اذ أن للمناطق الأخرى شروطا يمكن أن تكون قاسية بل أقسى من المطلوب أوروبيا. من الممكن أن تدرس بريطانيا تجارب دول أخرى خارج الوحدة وكيفية تعاملها معها. ليس هنالك غذاء مجاني، أي يجب أن تختار أي دولة بين البقاء مع كافة المنافع أو الخروج والخضوع للشروط المقيدة خاصة على صعيد التجارة والأسواق. ثالثا: هنالك مشكلة محتملة كبيرة على صعيد أسواق العمل بالاتجاهين وهذا ما يخيف ملايين العاملين من البريطانيين والأوروبيين. تضييق أسواق العمل يمكن أن يحصل وسيتضرر الفريقان منه خاصة في هذه الظروف التي يمكن وصفها بالمتشنجة والتي تنتج عنها تصرفات غير عقلانية أو حتى متطرفة. هنالك قلق بالنسبة للعاملين في بريطانيا ومصيرهم وحقوقهم، وبالتالي سينعكس الخروج سلبا على الأسواق الاقتصادية والمالية والنقد. اذا كانت الخسائر الاقتصادية واضحة، فما الذي دفع البريطانيين الى الاقتراع نحو الخروج؟ لا شك أن الأسباب سياسية واجتماعية بالاضافة الى الخوف الذي يؤثر سلبا على التفكير الهادئ باتجاه المستقبل. خاف البريطانيون من الهجرة المؤثرة على الاستقرار علما أن ما حصل في فرنسا وأورلاندو الأميركية مخيف حقا. أخيرا بعد قرار الخروج، ستكون هنالك مفاوضات شاقة تأخذ سنوات لتحديد هوية العلاقات المستقبلية وتاريخ الخروج الفعلي وكيفية تنفيذه لأن بناء عقود من العلاقات لا يمكن تفكيكه بسهولة وسرعة. في كل حال، يمكن القول إن أوروبا وبريطانيا هما في وضع لا تحسدان عليه.