الفائض من الغاز في السوق الدولية يتراكم باستمرار أوقفت إيران محادثاتها مع دولتين خليجيتين لتزويدهما بالغاز وأبقتها مع سلطنة عمان، في خطوة تنم عن حسابات غير صحيحة وغير تجارية، فدول مجلس التعاون الخليجي، دول نفطية حالها حال إيران، إلا أنه بسبب نموها السريع وتنفيذها لمشاريع عملاقة في مجال البتروكيماويات ازداد استهلاكها من الغاز الطبيعي، بحيث حدث بعض التفاوت بين معدلات الإنتاج والاستهلاك المحلي في بعض دول المجلس. من الناحية المهنية والفنية، فإن ذلك لا يشكل مشكلة ولا قلقا لدول مجلس التعاون، فالفائض من الغاز في السوق الدولية يتراكم باستمرار وأدى إلى هبوط الأسعار من 11 دولارا إلى ثلاثة دولارات في غضون خمس سنوات، كما أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن ينخفض الطلب بمعدل 1.5% سنويا في الأعوام القادمة، مما يعني تحول السوق من سوق بائعين إلى سوق مشترين. عدا ذلك هل ستخسر الدولتان الخليجيتان من جراء وقف المباحثات؟ الجواب قطعا، لا، فالخاسر الأكبر هو إيران.. لماذا؟ أولا تملك دول مجلس التعاون الخليجي احتياطيات كبيرة من الغاز لم تستغل حتى الآن، وثانيا تتوفر بدائل عديدة في الأسواق الدولية، فالبحرين على سبيل المثال وقعت مؤخرا اتفاقية لاستيراد الغاز الروسي وهي تقيم حاليا محطة لاستقبال ناقلات الغاز الروسية، إذ يمكن أن تقوم دول خليجية أخرى بخطوة مماثلة في المستقبل، وثالثا، فإن دول المجلس تملك احتياطيات كبيرة من الغاز، فبالإضافة إلى الاحتياطيات التقليدية، وبالأخص في قطر، فإن كلا من السعودية والإمارات تملكان احتياطيات كبيرة من الغاز الصخري الذي حول الولايات المتحدة الأمريكية من دولة مستوردة إلى مصدرة له، علما بأن السعودية قد باشرت فعلا في وضع التصورات الخاصة بإنتاج الغاز الصخري. في نفس الوقت تتجه دول مجلس التعاون الخليجي لتقليل الاعتماد على الغاز في إنتاج الطاقة الكهربائية والتي تستهلك جزءا كبيرا من الغاز، حيث تقوم «مصدر» بالعاصمة أبو ظبي بتطوير مصادر الطاقة البديلة، وبالأخص الطاقة الشمسية، فضلا عن بدء إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية اعتبارا من العام القادم، كما تقام في دبي أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم، وكذلك تسير بقية دول المجلس في نفس الاتجاه، مما سيقلل كثيرا من اعتمادها على الغاز في هذا الجانب. أما الخطوة التي يمكن أن توجه الضربة القاضية للتعنت الإيراني، فإنها تكمن في إقامة شبكة خليجية للغاز الطبيعي، وربما من خلال تطوير مشروع «دولفين» القائم حاليا بين الإمارات وقطر وعمان، ذلك المشروع الذي يعمل بنجاح باهر منذ سنوات عديدة ويحقق مكاسب مهمة للبلدان الثلاث بعد أن وقعت اتفاقيات تتعلق بالإمدادات والأسعار، علما بأن إجمالي الإنتاج الخليجي يفوق كثيرا إجمالي الطلب على مستوى دول المجلس، مما يعني أن تنفيذ مثل هذا المشروع سيمنح دول المجلس استقلالا تاما في تلبية احتياجاتها وقوة تفاوضية كبيرة. بناء على هذه المعطيات الموضوعية لم ترد أي ردود أفعال خليجية على القرار الإيراني لأنه لا يعنيها، كما أنه لن يترك أي تأثير يذكر على تلبية احتياجات دول المجلس من الغاز، فالمشكلة هي مشكلة إيرانية بالأساس، خصوصا أنهم يستميتون منذ سنوات طويلة لتسويق غازهم من خلال إقامة أنابيب لكل من باكستان والهند والصين، إلا أن تصرفاتهم وإقحامهم السياسة بالاقتصاد يقلل من ثقة قطاع الأعمال في العالم في مصداقيتهم. هذه إحدى مشاكل التعامل مع الأنظمة الشمولية التي تسيس كل تصرفاتها، بما في ذلك التجارة وتحاول تسخيرها لخدمة أهداف عفى عليها الزمن، مما يضاعف من خسائرها ويحمل شعوبها تبعية قراراتها غير المهنية ويخفض من ثقة التعامل معها في التعاملات الدولية، بدليل التردد الكبير للشركات والمؤسسات المالية العالمية في التعامل مع إيران بعد اتفاقها النووي وإلغاء العقوبات الدولية المفروضة عليها، والسبب الثقة المفقودة لنظام حساباته خاطئة.