من الزراعة إلى الخدمات

كتب «روستو» عن «مراحل النمو» حيث ذكر أن هنالك 5 مراحل تمر بها المجتمعات. من «التقليدية» المرتكزة على الزراعة إلى مرحلة «ما قبل الإقلاع» أي زيادة إنتاج الفحم والغذاء إلى «الإقلاع الصناعي» الذي يؤمن النمو إلى «النضوج الصناعي»، ثم خامسا مرحلة «المجتمع الاستهلاكي» الذي يصف اليوم المجتمعات الغربية والخليجية. المقصود مع روستو أن تغير الدول والمجتمعات لا يتم بسرعة، بل هنالك مراحل. معظم الدول النامية تقع في المرحلة الثالثة على الأبعد، أي قبل «الإقلاع». نظريات روستو تبقى رائدة بالرغم من بعض النواقص، إذ أهملت التطورات السياسية والاجتماعية التي تترافق مع النضوج الاقتصادي. كانت بريطانيا دولة بل إمبراطورية مميزة في آخر القرن الثامن عشر، وبالتالي استضافت الثورة الصناعية. كان النمو السكاني قويا وبالتالي توافر العمالة مؤمنا، كذلك كان الانفتاح الاقتصادي والفكري كبيرا، أي كان المجتمع مهيأ للتغيير والتطور. كانت بريطانيا غنية بالمواد الأولية في مقدمتها الفحم والحديد، كذلك بدأ المجتمع يعرف ويمارس تقنيات الإقراض كما تطورت وسائل النقل عبر البر والمياه. لاحقا امتدت الثورة الصناعية إلى الدول الأخرى وفي مقدمتها الأوروبية. من مساوئها أنها بدأت ما يعرف اليوم بالتلوث والتغير المناخي وأحزمة البؤس في المدن. كما سبب الإنتاج الصناعي المتزايد ما يعرف باستغلال العامل في حقوقه ومعيشته وبالتالي توترت العلاقات بين قوى المجتمع المنتج. في الاقتصاد ليست هنالك مزايا إيجابية دائمة وقوية دون نواقص أو سلبيات. مع الثورة، تطورت الصناعة في القيمة والنوعية وتوسعت. فرض ذلك تطور قطاع الخدمات الذي سمح بنقل الصناعة وتسويقها وبيعها. تطور الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة، ثم الخدمات بجوانبها التقنية والمالية والتأمينية والسياحية. في اقتصاداتنا اليوم، تسيطر الخدمات دون أن تغيب الزراعة والصناعة لكن الحاجات الخدماتية كبيرة وتفرض نفسها أيا كان النظام الاقتصادي. مع الوقت أصبحت الحكومات تتدخل أكثر فأكثر في الاقتصاد لحماية المنتج والعامل والحقوق. لم تكن التطورات ثورة في العرض فقط، إنما تغيرت أيضا ركائز الطلب حيث إن تغير الإنسان فرض تغير الحاجات والرغبات وبالتالي تغيرت السلع والخدمات. ضمن الاقتصادات الجديدة، هنالك 6 دول لا بد من التنويه بنجاحها في التغيير وهي الصين، كوريا الجنوبية، الهند، إندونيسيا، تايلاند وبولندا. العامل المشترك هو المال الذي حركها وجعلها تصبح بسرعة ماكينة إنتاجية ضخمة. بعد الكورونا يمكن أن تتغير النتائج كثيرا. العديد من المجتمعات ربط نفسه بالمال الذي يدفعها للفساد والحروب. حتى الصراعات التي ظاهرها غير مادي لا يمكن أن تستمر إذا لم تحركها المصالح المادية. التعلق بالسلطة لا يعود عموما إلى الرغبة في خدمة الناس، بل إلى ما يتأتى عنها من مغانم ومنافع. في عالمنا اليوم، التطرف في الرأي يحرك المجتمعات وبالتالي عدم الإصغاء للغير يميز عصرنا. يفسر كل منا الوقائع تبعا لعقيدته حتى لو كانت غير حقيقية. ثقافة الحوار ضعيفة والعنف يحل مكانها والوقائع الإقليمية الجديدة تشهد.