تقر الحكومات في مراحل زمنية بعينها، سياسات ضريبية ورسوما تحت مسميات متعددة مرتبطة - خاصة - بالتحولات السياسية كنوع من تطوير المنظومة في شموليتها والتي تتطلب اعتماد سياسات تتوافق مع الهيكلة الجديدة، أو أنها ذات علاقة بالأوضاع والمسارات الاقتصادية نموا أو انكماشا لزيادة الموارد أو لتحقيق التحفيز، خفضا أو زيادة... ترفقها الحكومات بمبررات وحيثيات لتمريرها وإقناع المجتمعات بها، وعادة ما تكون للضرائب والرسوم انعكاسات على الاقتصاد بشكل عام والمستهلك خاصة، وتتطلب فريقا اقتصاديا بارعا يمتلك الخبرة والتخصصات المتنوعة في السوق، وفهما دقيق لخصائص وسمات الاقتصاد الوطني، وقياس قدرات المجتمع ومستوى دخوله وقوته الشرائية وما يعانيه من مشاكل وأزمات مالية، وأسعار السلع والخدمات، ليوصي بخفض أو رفع الضرائب على ضوئها... وكثيرا ما قادت الضرائب المنهكة التي تثقل كاهل الشعوب إلى الثورات الشعبية وإسقاط حكومات وتفتيت حضارات ودول. وقد وجدت دول الخليج نفسها منذ العام 2012 في مواجهة أزمة اقتصادية بسبب تراجعات وتذبذبات أسعار النفط الحادة وجائحة كورونا بعد ذلك، فلجأ بعضها لمعالجة عجوزات موازناتها وتعزيز مواردها إلى رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والماء، وإقرار سياسات ضريبية ورسوم على السلع والخدمات أو رفع وزيادة ما كان مقرا في السابق، ما حدا بالمراقبين والمتابعين والمتضررين من هذه السياسات مجتمعا وقطاع خاص، إلى طرح الأسئلة حول جدوى وانعكاسات هذه الضرائب؟ وفيما إذا كانت قد خضعت لدراسات معمقة من قبل خبراء متخصصين؟ وطالب الكثيرون بتأجيل إقرار السياسات الضريبية خاصة وأن الأنشطة والقطاعات والأوردة الاقتصادية والمؤسسات والشركات والمجتمعات الخليجية تمر بظروف مالية صعبة وانكماشات وفقد للوظائف وإفلاس للمشاريع، والوضع يتطلب تحفيزا وليس المزيد من الضرائب والرسوم... التي سوف تؤدي إلى الانعكاسات التالية: أولا: استمرار تنامي مشاعر السخط والغضب والإحباط المجتمعي، وتهاوي الثقة في سياسات الحكومات، ولذلك انعكاسات كبيرة ليس أهمها اهتزاز منظومة الأمن الاجتماعي على المدى البعيد والمتوسط. ثانيا: ضعف وتراجع وتآكل شريحة المجتمع المتوسطة من حيث القدرة المالية، وهي الشريحة الأهم والأبرز التي يعتمد عليها السوق في قوته ونشاطه ونموه. فيصبح المجتمع مكونا من طبقتين صغيرة فاحشة الغنى، وفقيرة ترتفع نسبتها وأعدادها في واقع يؤدي إلى مشكلات عميقة سياسية واقتصادية واجتماعية... سوف تزداد تفاقما وتعقيدا. ثالثا: تراجع القوة الشرائية وتآكل المنظومة التجارية والأنشطة الاقتصادية وضعف السوق. رابعا: انهيار المؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة خاصة، واستمرار تراجع النمو وانكماش النشاط الاقتصادي. خامسا: ظهور أشكال غير مألوفة من الفساد في المجتمع وارتفاع نسبة الاحتيال، وتراجع الأداء في المؤسسات الحكومية، فالفقر والفاقة والحاجة وتراكم الديون التي تتفاقم بسبب غلاء المعيشة وضعف الدخول تجبر الناس على التطاول على المال العام، والسرقة والاحتيال على الآخرين بطرق مختلفة، والبحث عن مهن ووظائف وأعمال أخرى تدر عليهم دخولا جديدة مما ينعكس على وظائفهم وأعمالهم الأساسية. مما لا شك فيه بأن الضرائب الباهظة - خاصة غير المدروسة بعمق وغير المراعية لخصائص الاقتصاد وظروف المواطنين - سوف تقود إلى شيوع النقمة والاستياء العام وتعمق المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وانفلات الأمن وتراجع أساسات الاستقرار ودعاماته وبمرور الوقت تصبح الحكومات غير قادرة على معالجة المشكلات التي تزداد تعقيدا، إلا بالحلول الآنية والمسكنات التي تضيف على المشهد الوطني للدولة مشكلات أخرى أشد.