إخفاق الدول المنتجة للنفط في الاتفاق على تجميد الإنتاج كان متوقعا، فهذه الدول تتصارع منذ وقت طويل على الحصص والأسواق والأسعار وخطوط الأنابيب والتحالفات، وبالذات دول منظمة أوبك التي أيقنت أنها تستطيع، ويجب أن تستطيع، ترتيب أمورها منفردة، بدليل عدم التزامها بحصص الإنتاج أو حتى تجميد إنتاجها مؤقتا، فكل دولة تعاني من مشاكلها الاقتصادية والمالية المختلفة، ما يجعل سياستها النفطية انعكاسا لمتطلبات أمنها الاقتصادي، وموقفها السياسي، وهو ما يؤثر أكثر من غيره على قراراتها النفطية. يأتي ذلك في ظل عالم أصبح أقل خوفا من تأثير النزاعات في مناطق إنتاج النفط على الإمدادات النفطية، ما يعني تغيرا هاما في مشاعر السوق العالمية تجاه النفط كسلعة لا مجال لترك مناطق إنتاجها عرضة للتهديد والتوتر، بدليل أن أهم الدول المنتجة في منطقة الخليج العربي مثلا تخوض صراعات مسلحة لم يسبق لها مثيل، وتقيم التحالفات العسكرية أو تنخرط فيها، دون أن يكون ذلك مدعاة لقلق السوق العالمية من تأثر أو تراجع إمدادات النفط، كما كان يحدث سابقا، فالنزاعات في شرق أوروبا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا في ليبيا، والتي كان يفترض أن ترفع الأسعار إلى حدودها القصوى، هي نفسها التي تهوي بها إلى الحضيض الآن. فالعالم يبدو اليوم قادرا على تعويض النقص في الإمدادات، أو في إنتاج الدول التقليدية المنتجة للنفط من دول منظمة أوبك - التي يشكل إنتاجها نحو 40% من المعروض النفطي العالمي، وهو ما يقل عن مستواه منذ عقد مضى - وذلك خلال فترة قصيرة، بفضل عمليات الحفر الجديدة، ومشاريع النفط غير التقليدية، التي تتمتع بتكاليفها الرأسمالية المنخفضة نسبيا، وبدورة حياتها الأقصر، حيث تستغرق بين 2.5 إلى 3 سنوات من بدء الاستغلال إلى الاستخراج الكامل، مقارنة بعمليات الحفر التقليدية التي تحتاج لعقود. الانطباعات العالمية عن بدء منظمة أوبك بالتراجع عن دورها النفطي العالمي تتجلى بعدة مظاهر: أولها، تخليها عن الاستهداف السعري لصالح الاستهداف السوقي، فهي بعد أن رفعت، وقبل سنوات مضت، السعر المستهدف من 25 إلى 35 دولارا ليصبح بين 100 إلى 110 دولارات قد تسببت بتآكل حصتها من المعروض النفطي، وهو ما عرضها لمزيد من الخسارة في الحصة السوقية. وثانيها، اندفاع أعضائها وبناء على تآكل تلك الحصة، للدخول في سباق محموم لتقديم خصومات سعرية، وثالثها، تخليها، ونتيجة لكل ما تقدم، عن دور المنتج المرجّح، خاصة مع الإبقاء على معدلات الإنتاج كما هي في عام 2011. عامل إضافي يساهم في التأثير على تراجع دور دول منظمة أوبك، هو ارتفاع سعر صرف الدولار، المقدر له الاستمرار على مدار عدة سنوات قادمة، والذي يؤدي عادة إلى ارتفاع تكلفة النفط بالعملات المحلية في البلدان التي تستخدم عملات غير مربوطة بالدولار، مما يؤدي إلى ضعف الطلب فيها، إلى جانب زيادة المعروض من الدول المنتجة التي لا تستخدم الدولار، وهو ما يؤدي إلى وجود مصالح متعارضة للدول المنتجة للنفط، وبالتالي اختلاف السياسات النفطية لكل منها، وهو ما يفسر صعوبة إيجاد مواقف موحدة أو الوصول لإستراتيجية خاصة بخفض الإنتاج مثلا، فمن داخل أوبك يزيد العراق وإيران إنتاجهما، وتهدد السعودية برفعه إلى مستوى 11.5 مليون برميل يوميا، ومن خارج أوبك تقوم دول أخرى بالتأثيرعلى السوق النفطي كالولايات المتحدة من خلال المعروض من النفط الصخري، وروسيا مع تهديدها بزيادة إنتاجها. كما يدفع رفع كفاءة الاستهلاك وأدواته باتجاه تراجع الطلب الإجمالي على النفط، فالتطورات التكنولوجية والتقنية ذات العلاقة برفع كفاءة استهلاك الطاقة تنعكس على تخفيض حجم الاستهلاك وبالذات في قطاع النقل الذي يستحوذ على ما يزيد على 65% من النفط المستهلك عالميًا، حيث ترتفع مبيعات المركبات الكهربائية حول العالم بنسبة تصل إلى 60%. أكثر من ذلك، فمسارعة كل دولة منتجة للإعلان عن خطط وبرامج وسياسات ما بعد النفط، تعني أن الدول المنتجة نفسها لم تعد واثقة من استمرار لعب هذه السلعة دورها الإستراتيجي في الاقتصاد العالمي، باعتبارها تمثل عصر ما قبل اقتصاد المعرفة، الذي طور ويطور وسائله ومصادره من الطاقة التي تتناسب مع هذا العصر، مما يعني أن رسالة الدولة المنتجة للمستهلكين «نشاطركم جهودكم للتخلص من عصر النفط، ونحثكم على المضي قدما بالبحث عن البديل، فنحن أهل النفط بصدد التخلي عنه، وما الصراع الدائر بيننا إلا لاستثمار ربع الساعة الأخيرة من عصر هذه السلعة».