تناولتُ هنا قبل أسابيع قليلة الرؤية الاقتصادية التي بسطها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في خطابه لافتتاح السنة الرابعة من الدورة السادسة لمجلس الشورى، فتبين – يرعاه الله - أنها ترتكز على ثلاثة أسس: (1) رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، (2) الاستفادة من الموارد الاقتصادية (3) زيادة عوائد الاستثمارات الحكومية. وفيما يتصل بالمرتكز الأول، فقد صدرت ميزانية العام المالي الحالي (2016) بضوابط محددة، منها: إنشاء وحدة للمالية العامة في وزارة المالية وتكليفها بالعمل على تحديد سقف للميزانية والالتزام بهذا السقف، والحد من تنامي المصروفات الجارية للحكومة والتي بلغت 450 مليار ريال، ورفع كفاءة الإنفاق التشغيلي ويتضمن: ترشيد نفقات الأجهزة الحكومية وتوظيف الاستخدام الأمثل للتقنية في تقديم الخدمات الحكومية وتطوير وتفعيل آليات الرقابة، ومن جانب آخر رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي بمراجعة المشاريع الحكومية ونطاقها وأولوياتها لتراعي جودة وكفاءة التنفيذ، وتتوافق مع أولويات وتوجهات واحتياجات التنمية والمتطلبات المالية والتمويلية. وعلى صلة، فقد أصدر مجلس الوزراء قرارا بإنشاء برنامج وطني لدعم إدارة المشروعات في الجهات العامة، إضافة لذلك مراجعة وتقييم الدعم الحكومي بما في ذلك: تعديل منظومة دعم المنتجات البترولية والمياه والكهرباء وإعادة تسعيرها مع مراعاة التدرج في التنفيذ خلال خمسة أعوام، بهدف تحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة والمحافظة على الموارد الطبيعية ووقف الهدر والاستخدام غير الرشيد. وفيما يتصل بالمرتكز الثاني فقد صدرت ميزانية العام 2016 بتوجيهات لاتخاذ مجموعة سياسات وإجراءات لتحقيق إصلاحات هيكلية في الاقتصاد الوطني للتقليل من اعتماده على النفط، من بينها طرح مجموعة من القطاعات والنشاطات الاقتصادية للخصخصة، وتذليل العقبات التشريعية والتنظيمية والبيروقراطية أمام القطاع الخاص. وفي سياق المرتكز الثاني كذلك، تأتي إحدى المبادرات التي أعلن عنها بتأسيس صندوق سيادي استثماري (يستثمر أمواله في الملكية الخاصة بشراء حصص من شركات محليا وعالميا)، تودع فيه حصيلة خصخصة ملكيات الدولة، وعند تنامي أصوله إلى حدود 2 تريليون دولار. وبالنسبة للمرتكز الثالث فقد نمت هذه العوائد – وفقا للبيانات الرسمية - بنحو 80 بالمائة خلال العام 2015، من 21.9 مليار ريال إلى 37.0 مليار ريال. أما الإيرادات غير النفطية - التي تمثل عوائد الاستثمار أحد عناصرها - فقد نمت خلال العام نفسه بنحو 29 بالمائة من 126.8 مليار إلى 163.5 مليار. وقد سبق أن بين سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال مقابلته مع مجلة «الإكونومست» النافذة في يناير 2016، أنه من المتوقع نمو الإيرادات غير النفطية خلال خمس سنوات لتصبح مائة مليار دولار (375 مليار ريال)، وأكد ذلك مجددا في مقابلة «بلومبرج». وأضاف أن هيكلية الإيرادات غير النفطية ستنمو بالتدريج حتى العام 2020 ليصبح قوامها: 10 بالمائة ضريبة قيمة مضافة، 10 بالمائة رسوم برنامج الإقامة الدائمة، 10 بالمائة رسوم تجاوز حصص العمالة الوافدة، 30 بالمائة إصلاح الدعم، و40 بالمائة ناتجة عن معايير متنوعة أخرى. واليوم، أعلنت المملكة رؤيتها للعام 2030، لتبدأ مرحلة فك الارتباط بالنفط، ولا يعني هذا القطيعة بقدر ما يعني تنمية موارد أخرى إلى جانب النفط، فقد تناولت الرؤية مزايا نسبية، إضافة للنفط، حبا الله - سبحانه وتعالى - بلادنا بها، وهي: العمق العربي والإسلامي، والطاقة الاستثمارية، والموقع بين ثلاث قارات. واستمدت الرؤية من كل من هذه المزايا شعاعا، يمكن استخلاص قوة كامنة، تترجم إلى برامج اجتماعية - اقتصادية تعود على المملكة بالخير. ولابد من بيان أن المرتكزات الثلاثة للرؤية: (العمق العربي والإسلامي، والطاقة الاستثمارية، والربط بين ثلاث قارات) ليست فقط في المتناول، بل هي جزء من كينونتنا الراهنة، كل ما هو مطلوب – ليس أمرا سهلا- توظيف هذه المزايا النسبية توظيفا حصيفا لاستخراج الفرص لتضيف قيمة لاقتصادنا السعودي، وازدهارا لمجتمعنا. وهذا مطلب صعب مفعم بالتحديات، فالمصادر الأخرى لن تأتينا بريعٍ يُستخرج من باطن الأرض، بل بأموال لابد أن تُكد كدا، وتُنتج إنتاجا، وليس الإنتاج كالريع، لعلنا أمام حقيقة الفطام عن النفط، أو لنقل التدرج في الفطام عنه على مدى الخمسة عشر عاما المقبلة، وهو تحول ليس باليسير في ظل اعتماد الخزانة حاليا على النفط بما يتجاوز 70 عاما، لكن يبدو أنه خيار ضروري لا يحتمل مزيد تأخير أو تباطؤ.