المشروعات المتوسطة والصغيرة.. قاطرة الاقتصادات

عادة ما يتردد في عالمنا العربي الحديث عن الاهتمام بأصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة ورواد الأعمال والدعم الكبير الذي يقدم إلى هذه الفئة وأن المستقبل لهم. ولكي نكون أكثر قدرة على مواكبة التغييرات والتحولات الاقتصادية العالمية القادمة وعدم الاعتماد على المدخولات من النفط والغاز فقط، التي باتت تضم الكثير من اللاعبين العالمين المؤثرين الآن فيها خارج منطقة الخليج، فلابد أن نعي أن الدول العربية لا تتعامل مع هذه الفئة بالشكل المطلوب (رغم وجود بعض الجهود من بعض المؤسسات) ولكن تلك الجهود لا تتناسب مع التسارع الاقتصادي الكبير الذي نعيشه. فالأمر هنا يتطلب دراسة الواقع بشكل جاد يتناسب مع الأهداف الاقتصادية ويكون متزامنا مع التسارع والتغير الكبير الذي في العالم والتعامل بمرونة مع أي تحديات مستقبلية مع الاستعانة بمراكز الأبحاث المتخصصة لتقديم الدعم بشكل سريع وواقعي للمؤسسات المعنية. ولو تطرقنا إلى بعض التحديات التي يمر بها صاحب المشروع الصغير أو رائد الأعمال تبدأ من تدبير رأس المال بإجراءاته الطويلة المعقدة ثم إلى الدعم الفني ووضعه على الطريق الصحيح في بداية مشروعه ثم دخوله السوق بالفعل والاستمرارية والمنافسة ثم مشكلة التسويق وكيفية بدء خطة تسويقية ذكية وجذب العملاء بالإضافة إلى عدم وجود العنصر التحفيزي الذي يجعله يكمل ويستمر ولا نغفل أيضا السوق وتقلباته لذلك دور المؤسسات المسؤولة عن هذه الفئة هام في دعمه ومتابعته في خطواته بشكل واقعي وجاد ولكن السؤال الأهم هنا هل هذه المؤسسات بالفعل تتعامل مع الأمر بشكل واقعي مفيد للاقتصاد؟ ودائما ما أفضل أن أستدل بكلامي على أرقام لأهمية ما أتحدث عنه فلو تطرقنا إلى بعض الاقتصادات المتقدمة وما تمثله هذه الفئة في ناتجهم المحلي: تبلغ نسبة مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي في الولايات المتحدة 50%، وفي اليابان 52%، وألمانيا 54%، والصين 60% ولو نظرنا بمزيد من التمحيص إلى اليابان فهي دولة تضررت كثيرا من الحروب وتوجهت بعدها إلى الاعتماد على المشروعات الصغيرة والمتوسطة حتى أصبحت تلك المشاريع تتخطى 90% من عدد المشاريع في اليابان ويعمل بها 40 مليون عامل بنسبة 82% من إجمالي القوى العاملة حتى أصبحت المشاريع الكبيرة ما هي إلا تجميع لإنتاج الصناعات الصغيرة التي تتكامل فيما بينها مكونة هذا الشكل الاقتصادي الكبير. وكذلك الولايات المتحدة التي قامت بإنشاء الوكالة الفيدرالية لمساعده هذه الفئة من أصحاب المشروعات تحت اسم (إس بي إيه)، والتي دعمت أكثر من 20 مليون منشأة صغيرة خلال 50 عامًا وساهمت في انتقال عدد كبير من المشروعات الصغيرة إلى شركات كبرى مثلما «أبل»، و«إنتل»، وكومباك»، و«أمريكا أون لاين)، والآن 50% من الناتج المحلي في الولايات المتحدة يأتي من المشروعات المتوسطة والصغيرة. وفي ألمانيا يوجد نحو 3.6 مليون شركة من الشركات الصغيرة والمتوسطة وقدم بنك التنمية الألماني (كيه.إف.دبليو) المعني بتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة قروضا بقيمة 1.3 تريليون يورو لأغراض تجارية واجتماعية مختلفة. أما في الصين فتشكل تلك الفئة نسبة 68% من مجموع التجارة الخارجية لها، ويعمل بهذه المشاريع ما يقارب 75% من العمالة في المناطق الحضرية، وتسيطر هذه المشاريع على 65% من براءة الاختراعات في الصين. وبعد استعراض بعض الأرقام لبعض الاقتصادات المتقدمة يجب أن نستفيد منهم بشكل حقيقي وواقعي ونعتمد نموذجا لدعمهم يتناسب مع احتياجاتنا وسلوكنا وأهدافنا وبيئتنا.