يفاجئنا الرئيس الأمريكي دوريا بقرارات كبيرة، ليس فقط في السياسة والتعيينات، بل خاصة في الاقتصاد. عقيدته تدعو أقله للحذر والقلق. قراراته فيما يخص كوريا الشمالية تضع كل دول آسيا في حرج. أفكاره تجاه الصين واليابان تدعو للتساؤل حول أهدافه الحقيقية. هل يريد أمريكا دولة عظمى أم فقط دولة قوية تهتم بأوضاعها الداخلية؟ ترامب يحاول تنفيذ ما وعد به خلال الانتخابات وبالتالي ينفذ أفكار من انتخبه. ترامب هو نتيجة للوضع الأمريكي الداخلي المبني على الخوف والقلق الاقتصادي والاجتماعي. لم يكن ليظهر ترامب لو بقي النمو الأمريكي قويا ولم تسوء فجوة الدخل والثروة. ازدياد الأغنياء غنى وتوسع الفارق بين الطبقات ساهما في انتخاب الملياردير، يشعر من انتخب ترامب، أي خاصة الرجل الأبيض، بأن نفوذه في الدولة التي أنشأها ضعف ولابد من التصحيح عبره. لا نفهم مثلا لماذا يرتاح ترامب في التعامل مع رئيس كوريا الشمالية أكثر مما يرتاح في العلاقة مع الرئيس الكوبي. أيهما أخطر لأمريكا؟ هل الهدف هو تصحيح العلاقات الثنائية أم تدمير كل ما بناه الرئيس السابق. عدم درس وتحليل أسباب فوز ترامب في الرئاسة سيؤدي حكما إلى إعادة انتخابه. فوزه لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكم سياسات اعتبرها الداخل الأمريكي خاطئة. تذمر الأمريكيون من الخلل التجاري الخارجي خاصة مع الصين ومن المساعدات الخارجية التي اعتبرت هدرا، كما من الإنفاق الخارجي على الأمن والتسلح ضمن حلف شمال الأطلسي وغيره. كل ما اعتبره الرؤساء الأمريكيون السابقون مهما لعظمة أمريكا، يعتبره الرئيس الحالي هدرا وإنفاقا غير مجد. أوباما قدم الأمل لأمريكا لكن الأمريكيين على ما يبدو اعتبروه ضعفا. إذا قارنا أصول المولودين الجدد داخل الولايات المتحدة وقارنا النسب بين سنتي 1960 و2000 مثلا، نفهم أسباب التذمر العرقي الأمريكي وتوجهه نحو ترامب. في سنة 1960، أتى المولودون الجدد أولا من أصول إيطالية، ثم ألمانية فكندية وبريطانية وبولونية، أي أكثرية كبيرة «بيضاء». في سنة 2000، تغيرت جذريا النسب وأصبحت أولا مكسيكية فصينية وفلبينية وهندية وكوبية. أمريكا تغيرت في الديموغرافيا، من هنا دعا ترامب النرويجيين للهجرة إلى أمريكا. لكن النرويجيين ينعمون بأوضاع ممتازة في بلادهم، فلماذا يهاجرون؟ الطبقة الوسطى البيضاء انتخبت ترامب. لكن ترامب غني وهل يمكنه أن يمثل فعلا هذه الطبقة؟ من انتخب ترامب كان متذمرا من الأوضاع التي آلت إليها المناطق الريفية ومتذمرا من إدارة الدولة. من انتخبه يحلم بأن يصبح غنيا مثله، الحلم الأمريكي ما زال موجودا في عقول الأمريكيين، وإن كان تحقيقه أصبح أصعب. من انتخب ترامب يحلم بتغيير أمريكا والعالم ليعيد الثروة إلى أمريكا نفسها. يعتقد الأمريكيون أن الخارج سلبهم الثروة بسبب تقاعس الإدارات السابقة. لذا يجب التشدد واعتماد الحزم حتى لو اضطرت الإدارة إلى استعمال الآلة العسكرية الكبيرة. مقارنة الفوائد بالتكلفة هي ما يحاول ترامب تقييمها استعدادا لانتخابات 2020.